![]() | ![]() |
| لوحة إعلانات المنتدى |
| |
.::||[ آخر المشاركات ]||::. |
الإهداءات | |
![]() | ![]() | ![]() |
| |||||||
![]() | ![]() | ![]() |
| رِوَاءُ التَارِيِخْ : [ لِلإِسْتِفَادَةِ وَالإِسْتِزَادِةِ مِن شَتّىَ الكُتبِ وَالمَرَاجِع الخَاصّة بِقبيلَة الرُولَه ] .. |
| مشاهدة نتائج الإستطلاع: - | |||
| - | | 0 | 0% |
| - | | 0 | 0% |
| المصوتون: 0. أنت لم تصوت في هذا الإستطلاع | |||
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
| |||||||
| |||||||
|
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم وكل عام وأنتم بخير تلبية لطلبات بعض الأخوان سأبدأ بإذن الله في كتابة ( الخيام السود ) وسأبذل مجهود على إنهاء هذا الكتاب مما يحتويه ولكن ( تعبكم راحه أخواني ) مقدمه الصحراء بحر الرمال الوهاجة بعبع الحضري المخيف وعالم بلا عودة للجاهل في فهم أسرارهم وكشف ألغازها . الصحراء تكاد تكون بالنسبة للحضري مرادفة للموت والفناء . يلفها الغموض وتذروها الرياح , يشح ماؤها وتموت نباتاتها , وتتوهج لظى في أشهر الصيف , وتغوص بركاً في فصل الشتاء . يستوي برد ليلها الصيفي مع برد نهارها الشتوي . أما مَنْ عَبَرها مرة فأخذ عنها بعض أسرارها فإن للصحراء عنده معنى آخر . إنها الحريه بذاتها إنها سكونه الأبديّ وآفاق الإنسان الواسعة اللامتناهية , إنها السحر بعينه , إنها الصفاء والحب والقوة بكل مافي هذه الكلمات من معان ٍ . إنها المدرسة الكبيرة والجهاد الأكبر . ففي كل ساعة فيها أختبار لقدرة الإنسان وجلده وسرعة بديهته وقياس لمقدرته على التكيف مع الحياة بشتى صنوفها وأطوارها . والبدوي ابن الصحراء يعيش فيها على فطرته « بجلد وصبر يتحمل الحر والقر والجوع والظمأ والتعب والراحة والعمل والبطالة وكثرة المشي أو قلته بنفس واحدة دون تبرم أو عجز » . وعلى الرغم من قساوة الصحراء فإن لها سحراً لا يعرفه إلا من عاش فيها . هذا السحر يدفع صاحبه بهوى مجنون إلى العودة للصحراء للتمتع بسحرها وجمالها وصفائها . ومعرفتنا نحن سكان الحضر بالبدوي معرفة سطحيه تبدو كأحلام أو كوابيس بعيدة تخفي من أعيننا عالماً قائماً بذاته بكل أبعاده وماضينه ومفاهيمه ; مع ان أصل نوعنا العربي السامي بدوي أنطلق من شبه الجزيرة في موجات هجرة متلاحقة لاتنقطع ما دام هناك فجر يسطع وقمر يغيب في اطار وشكل واحد مستمر ومتصل . يبدأ في غياهب الصحراء , يدفعه لهيبيها نحو الماء والخضرة والماء , ثم يدخل المرحلة الأخيرة ليستقر في ضاحية حضر مستعداً للأندماج في حياة الحضر . لذلك قسم البدو إلى ثلاثة أقسام : الأول : هم العشائر الجمالة أهل الإبل ذوو النجعه البعيدة التي قد تستمر 500 - 600 كـم , فيتخذون بيوت الشعر بنتقلون ما بين الصحراء العربية وبادية الشام حتى الفرات جنوباً وشرقاً وغرباً عبر السعودية والأدرن وسوريا والعراق . والقسم الثاني العشائر الغنامة أو « نصف الرُّحَّل » فنجعتهم محدودة تناسب قدرى أغنامهم . وقد يمتلكون الأرض ليزرعوها . وماشيتهم إما لهم وحدهم أو لأهل المدن المجاورة يشاركونهم في تربيتها . والقسم الثالث : هم العشائر المتحضرة أو أهل الدور وهم الأعراب الفلاحون « الفلاليــــح » الذين صاروا أهل القرى وبيوت , وعكفوا على الحرث والزرع . والبدوي عموماً يحب الغزو لأنه الطريق الأسرع للثروة , ولأنه ميزان الفروسية وإثبات القدرة والحيويه . فالغزو عند البدوي لا يعني ما يعنيه عند أهل الحضر من نهب وسرقة . إنما يعني بالنسبى له إثبات وجود وأستعراض قوى . واقتصاد البدوي يعتمد على الإبل , فهي نقوده ومهره وحله وترحاله , يستفيد منها في الانتقال والحمل , ويستفيد من لحمها ووبرها ولبنها وروثها . وهو بنفس الوقت يسعى ويشقى في سبيلها ; لذلك فإنَّ أول ما ينشده الماء والخضرة . وبسببالماء والخضرة يتم الأنتجاع والغزو والأقتتال , وتوزيع مناطق الصحراء بين العشائر , وتنظيم الارتحال بما يناسب فصول السنة ومقدار المياه وتوزع الآبار التي تنتشر في الصحراء , بدءاً من فجر التاريخ حتى العصر الروماني فالإسلاني فالعثماني فالعربي . ونتيجة ذلك يقوم البدو بالمقايضة والمتاجرة مع سكان الأرياف والمدن ضمن عادات وشروط معينة . فبعض العشائر اعتادت أن يزورها التاجر لمناطق محددة في أوقات محددة . وبعضها « وعلى الأخص نصف الرُّحَّـل » ترد المناطق الحضرية لتبيع الحليب والأغنام والمنتجات . فعلى عاتق الرجل بيع الأغنام , وعلى عاتق المرأة البدوية بيع الحليب والبيض والدجاج , ولا يجوز العكس في عرف البدوي . وهناك مصادر أخرى لرجل البدو هو الغزو كما قلنا . كذلك للبدو - وحسب المناطق - أخذ الخوة سواء من العشائر البدوية الأضعف أو من القرى والمزارع المجاورة . وللبدو حسب المناطق - أيضاً - وحسب قوة العشيرة - الحق في قبض العمرة وذلك من قوافل الحجاج , لتسهيل وصول الحجاج والحفاظ على سلامتهم وممتلكاتهم , ولدلالتهم على الطريق ومصادر المياه . ولكن إذا لم يتم دفع العمرة فإن مصير القافلة النهب والسلب والقتل . وقد نقل إلينا المؤرخون والرحالة والحجاج الكثير من الحوادث المشابهة , لعل أكبرها ما وصفه لنا فولين في رحلته إلى سوريا ولبنان وفلسطين في القرن الثامن عشر . وفي حالة فقد الماء والعشب في السنوات العجاف فإن البدوي يتحول إلى غاز على المدن والأرياف وعلى القوافل . وفي أوائل القرن العشرين أخذ يهاجم خطوط السكك الحديدية ومحطات النفط التي بنت منشآتها كحصون قوية لها وأبواب وأبراج حديدة . وسكان البادية في شرقنا العربي في السعودية والأردن وسوريا والعراق يشكلون نسبة عالية لا بأس بها من عدد السكان , مع أنه لم يجر قط تعداد لهم . ولسكانالبادية منذ أقدم العصور وحتى وقتنا الحاضر تأثير في الحياة السياسية لمنطقتنا , ولروابطهم العشائرية أيضاً دور كبير , لذلك نجد السلطات تتسابق لكسب ودهم منذ أقدم العصور وحتى العصور الإسلامية ( الأمويين والعباسيين ) , ثم المماليك والأتراك , وحتى الأنكليز والألمان والفرنسيين . وكان من ذلك أن أصدرت سلطات الأحتلال في كل من سورية والعراق والأردن قوانين خاصة بالبدو أغدقت فيها ميزات وأحكاماً خاصة بهم وتسابقت في كسب ودهم . ويأتي كتابنا هذا « الخيام السود » سلسلة من هذا التسابق . فالكتاب يصف زيارة قام بها ضابط ألماني قبيل الحرب العالمية الأولى وأثناءها وبعدها ليكسب ود أكبر عشائر المنطقة الهربية ألا وهي عشيرة الرولا ( الروله ) بعد أن سبقت زيارته زيارة لأحد الشخصيات الألمانية التي أخفقت في كسب ودهم . إلا أن زيارة مؤلف هذا الكتاب لم تسفر عن نتيجة فقد سبقه إليها وإلى كسب ودها لورنس الإنكليزي , وحاربت الرولا معه , وكان لها فتح شرقي الأردن وسوريا ودخول دمشق . والرولا التي أخذت أسماً من الروال , وهي لغة ٍ : اللعاب . والمرول الرجل الكثير اللعاب . ولعل أساس الكلمة أنهم قوم مرولون . والروله من عشيرة عنزة بن وائل من ضنأ مسلم ومن بطن الجلاس . وهم أكبر عشائر عنزه عدداً وأعظمها قوة , وهي من البدول الرحل أصحاب الأباعر . وهي من أكبر العشائر نفوذاً في شرقنا العربي بسبب قوتها وكثرة رجالها وتأثيرها في الحياة السياسية , ومناصرتها للورنس الإنكليزي , ومحاربتها للأتراك . وقد تقوت أكثر أيضاً بمصاهرتها لآل سعود , تلك المصاهرة التي تمت بين آل سعود وآل السقلان الذين أستلموا مشيخة الرولا لأكثر من مئة عام بعد أن أخذوها عن شيخها السابق الدريعي . وقد أختلف الباحثون في تقدير عددها , فمنهم من يقول خمسة آلاف بيت ومئة ألف بعير وخمسة آلاف شاة ومئة فرس , ومنهم من يقول أكثر أو أقل , وقد قدر مؤلف هذا الكتاب أن عدد الأبعرة في مسيرة العشيرة نحو الشمال كانت تضم ستمئة ألف بعير . وقد أستلم مشيخة القبيلة بعد الدريعي المشهور فيصل الشعلان ثم هزاع بن نايف الشعلان . ثم سلطان بن أحمد بن منيف الشعلان ثم خلفه فهد أبن هزاع الشعلان ثم نوري الشعلان , وهو أقوى شخصيات الرولا وأكثر مشايخهم قوة وجبروتاً وطول مقام ( 50 عاماً ) ثم خلفه فواز حفيدة . والرولة ينزلون في نجد والشام حول بئر القمة وعين الحياة والنر كلس حسية الجولان , وغوطة دمشق , ومنطقة الخيرات في الحماد , والقريتين من محافظة حمص , ودرعا والزوية . ويقضون الشتاء في منحدرات الشرق والجنوب من جبل عنزة حتى جوار الجوف . وينقسم الرولة إلى بطون والبطون إلى أفخاذ والأفخاذ إلا فصائل , والفصيلة إلى بيوت . وقد كان مقام نوري الشعلان في دمشق الصالحية , لذلك أطلق على الحي الذي فيه منزلة اسم حي الشعلان ومنزله لا زال قائماً وفيه أحفاده . والكتاب يقدم لنا وثيقة مهمة عن حياة الصحراء وعن نمط عيش البدوي وطريقة عيشه وما يهمه وما يغمه , ومايفرحه ومايحزنه . والكتاب بالأختصار يقدم لنا الكثير مما نجهله عن صحرائنا وإخواننا في البادية . *** رجاءاً إخواني عند نقل هذا الموضوع لمنتدى أو موقع آخر يرجى حفظ حقوقي وعدم الأستهانة بما سأبذله وسأقدمه إرضاءاً لكم المؤلف : كارل رضوان الكاتب : عـز ( طارق الرويلي ) التاريخ :2/9/1427 هـ الساعة : 9.00 مساءاً آخر تعديل RWLH يوم
09-25-2006 في 05:44 PM. |
| | #2 |
|
: الادارة : |
بين يدي الكتاب ينقل هذا الكتاب الرومانتيكي الغريب القراء من تعقيدات الحضارة الحديثة إلى الحياة الهادئة والخطيرة في الصحراء العربية وسكانها البدو . كارل رضوان أحد الرجال القلائل الذين أخترقوا الصحراء المجهولة في شمال الجزيرة العربية , وعاش مع البدو والمحاربين , ليس كغريب عنهم بل كفرد متميز بأخوة الدم مع شيوخهم . واشترك في هجرة أكثر من ثلاثين ألف شخص ومئات الخيام وآلاف الجمال بحثاً عن الماء والرعي . كما أشترك في معاناة الصراع الأبدي ضد الجوع والجفاف . وقد تكشف له من خلال ذلك المغامرة والحب والصداقه والشجاعة في الحياة البدوية . وقد وصفت مجلة « السباكتاتير » كتاب ( الخيام السود في الجزيرة العربية ) بأنه أصيل وممتع , بينما وصفته صحيفة « التايمز » بأنه « مستنير وحسن الصياغة وتثقيفي » . وكتاب السيد ر . ب . كننغهام غراهام في صحيفة « الأبرزيرفر » قائلاً « إنه يصور أمامك الحياة العربية الكاملة ووجهة النظر العربية بوضوح مانراه في لمعان البرق » . .. الرجاء حفظ حقوق النشر .. .. اخوكم / طارق الرويلي .. |
|
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 09-29-2006 الساعة 04:36 PM |
| | #3 |
|
: الادارة : | إلى فارس - صديقي المخلص عليك عهد الله وأمان الله ليرقد بسلام نم ياسليل الحرب المقدام لاتكترث لهياج الرمال المتنقلة التي تتلاطم حول مرقدك أسترح أيها المحارب السعيد وأنس بأمان تلك الضربة التي لم تستطع إحناء رأسك الشجاع لأن - في حياتك - في روحك وفي وجهك بدا أن هدوءاً سكن حكمتنا . وترعرت الفضائل المحمودة كما لو أنها تبجل فيك ذرية إسماعيل المغبون . ولكن لو تناثرت أزهار الذكرى في مروج علياء جنتك تذكرها تلك المرأة المشرقة كندى الصباح التي مسحت عينيك بكمال حبها إن تويما الشجاعة البراقة العينين لاتزال تنتظر عند البوابات الذهبية للانضمام إلى عريسها غومو وليامز .. الرجاء حفظ حقوق النشر .. |
|
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 12-09-2006 الساعة 03:52 PM |
| | #4 |
|
: الادارة : | تقديم خلال السنوات الأثنين والعشريت نت اختلاطي بالبدو في الجزيرة العربية _ في الترحال والصيد والفروسية والجوع والولائم _ أقمت صداقات رائعة . وإنني ممتنّ للكثير من أصدقاء الصحراء . إلى « أمير أرض أجداده » ملك الجزيرة العربية عبدالعزيز بن سعود بن الوهاب وأمرائه ورؤساء نجد والحسا والجوف والكف وممثلين في دمشق والقاهرة ولندن . إلى الأمير نوري الشعلان وعائلته وقبيلة الرولة للفرص الفريدة التي مكنتني من أكتساب المعرفة الدقيقة بالتقاليد العربية والعادات البدوية , والتجوال في المنطقة المجهولة حتى تفهمت روح بلادهم الغامضة , وفكر سكان خيام إسماعيل السود , وهي الفرصة التي مكنتني من جمع المواد التي أنتجت هذا الكتاب . إنني أشعر بالكثير من الأمتنان للفكرة التي أندلعت في قلبي من أعمال ومُثُل المرحومة الليدي آن بلنت التي ساعدتني في متابعة بحثي عن الحصان العربية الأصيل . وللسيد و . ك . كيللوغ الذي كرّس مراعيه ومزرعة الخيول في كاليفورنيا لطلاب تربية الحيوانات وهبة كافية لتأمين تربية الخيول العربية الأصيلة . إلى تشارلز دوثي وهو رحّالة إنجلترا الكلاسيكي في « جزيرة العرب » . إنني مدين له بأني - من أول أيامي في التيه - نظرت « بروح دقيقة » و « قلب رحيم » إلى « الصحراء القاسية » و « عداوات البدو المتعصبة » . وخرجت بالرضا الكامل لأنني عشت بطمأنينة تحت خيام بني إسماعيل . إنني مدين جداً « للشيخ موسى الرولي » و ( البروفسور أ. موسيل من براغ ) لأن منشوراته تحت رعاية الجمعية الجغرافية الأمريكية في نيويورك مكنتني من الأهتمام الذكي الجديد برحلاتي في الجزيرة العربية , وخصوصاً بين قبيلة الرولة التي نعمنا بعشرتها ( على الرغم من أننا لم نلتق أبداً ) كأفراد في عائلة الشيخ وقبيلته . كما أنني مدين إلى « الكولونيل لورنس العرب » لأنه كان رفيقي الدائم عبر صفحات كتابه خلال رحلاتي الثماني الأخيرة , وقد حصّن روحي بمثال مثابرته الفريد ليحملني عبر ظروف الصحراء القاسية . لقد قابلت كثيراً من رفاقه وأعدائه الذين - سواء من أحبّوه أم من خافوه - أتفقوا على أن « لورانس » كان أخلص صديق أتى من أوربا ليدافع عن القضية العربية على الرغم من أن معظمهم أسف لأنه لم يتسن له الوقت ليحالف أبن سعود . وعلي أيضاً أن أعبر عن شكري الخالص للسيد غومر وليامز للمساعدة القيمة التي قدّمها لي في تحضير هذا الكتاب , ولقصيدته المؤثرة التي تشكل مقدمة مناسبة لهذه القصة . وشكري الخالص أخيراً إلى السيد يرايد - هيوز الذي قدمني إلى الصحافة الإنجليزية وإلى شركة إليفورد المحدودة لإخراجها الرائع لصوري البدوية , التي عرضت مؤخراً وبنجاح في صالاتها هاي هولبورن في لندن , وهو المعرض الذي تفضل بإفتتاحه السيد رولاند ستور الحاكم العسكري في القدس مؤخراً . وهناك آخرون أرى نفسي مديناً لهم , لأن أصدقائي الكثيرين في الجزيرة العربية وفي العالم الغربي أظهروا تعاطفهم وقدموا معاوناتهم . *** .. الرجاء حفظ حقوق النشر .. .. اخوكم / طارق الرويلي .. |
|
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 09-29-2006 الساعة 04:38 PM |
| | #5 |
|
: الادارة : | الأمير فواز أمير الرولة الشاب لوّنت الشمس المشرفة على المغيب بألوانها الرقيقة روابي جبل رواك العارية . في الجنوب الغربي غطّت الخيام السود وقطعان الجمال الغبراء سهل طرف بعد حصاده القريب . وهرول نحونا الرجال المسلحون على ظهور خيولهم الرشيقة عندما اقتربت بصحبة عدة فرسان - ولأول مرة في حياتي - من « المنازل » المنسوجة من شعر الماعز , من مضارب بدو الرولة . هؤلاء الحراس الفرسان الذين أتوا لملاقاتنا قادونا إلى خيمة عبد عجوز صبغها الدخان . وهنا أستقبلني الأمير نوري الشعلان أمير القبيلة ذو اللحية الرمادية . وقبل بدء الحرب العظمى الأولى بعامين أستبدل الأمير نوري بخيمته المريحه مخبأً وضيعاً لأحد عبيده , وأختبأ فيه بعد أن أخطر بنشاط المطالبين بالثأر منه وهم رجال من أهله . فأثناء الصراع على مشيخة القبيلة صرع أحد أخوته بيديه كما قتل عبيده أخاً آخر . وهكذا فإن أبناء القتيلين الذين بلغوا سّن الرشد لم يكونوا فقط يحاولون الثأر لهمها بل أنتزاع المشيخة من نوري الشعلان . وبينما كان نوري يتهرب من أعدائه في القبيلة كان أبنه الأكبر نواف مسؤولاً عن قيادة الرولة ضد أعدائهم الخارجين , وكان نوري أباً لعائلة كبيرة , وكان في الحقيقة ينسب إليه 82 ولداً 37 منهم ذكور . وقد مات معظمهم تقريباً ميتة غير طبيعية . وبعد هذا اللقاء الأول بنوري العشلان ببضعة أيام قمت بزيارة لنواف الذي نصب خيامه على مسافة مسيرة يوم كامل قرب بحيرات الركبان المطرية , على مسافة مئة وعشرين ميلاً إلى الشرق من دمشق . كان نواف يختلف كل الاختلاف عن والده . فقد كان يفتقر إلى شخصية الشيخ العجوز القوية . كما لم تكن لديه الموهبة ليعدّ للحرب قبيلة كبيرة كالرولة يملك سبعة آلاف خيمة وخمسة وثلاثين ألف نسمة , وأكثر من ثلاثمئة ألف جمل . لقد جمع للتّو مجموعة صغيرة أخرى لتدعيم قواته العاملة ضد الجوف ; وهي الواحة الواقعة على الطرف الجنوبي الشرقي من انهدام وادي السرحان العريض الخصب . وكانت قواته قد استولت على بعض المراكز الأمامية الأقل تحصناً . ولكن هذه النجاحات لم تجلب لنوّاف إلا القليل من رصيد نواف : فلم يستطع كسب احترام رجال قبيلته ولا احترام المستوطنين الخاضعين له لكي يدعّم مركزه . وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا الهجوم على الجوف كان عكساً للسياسة القبلية . فمنذ القديم تاجر الرولة مع تلك الواحة وقايضوا بجمالهم وصوفهم وأجبانهم وزبدتهم مقابل التمور والشعير والملح والقهوة وتجهيزات الخيام وشداد الجمال والأقمشة . وفجأة - وبعكس نوايا الشيخ العجوز - رسم نواف خطة لاحتكار هذه التجارة لنفسه واحتلال الواحة لكونها معقلاً أستراتيجياً يسيطر منه على شمال الجزيرة العربية وطرق القوافل إلى نجد . وعلى مرأى من الجوف تبدو صحراء النفوذ العظيمة التي تمتد أكثر من ثلاثمئة ميل الشرق إلى الغرب , ونحو مئتي ميل من الشمال إلى الجنوب . فنصفها الشمال المسمى اللاّبة يشكل المراعي الحقيقة للرولة . كما أن موطنها الحقيقي هناك والجزء الجنوبي تحت سلطة بدو الشمّر الذين جعلوا من حايل في الطرف الجنوبي من النفوذ مركزاً لتجارتهم . وقد بقي الشمّر تحت حكم أبن الرشيد حتى بعد الحرب , وهو حاكم مرتد من عائلة أبن سعود ثار مع حراسه الزنوج ضد أسيادة واستولى على حايل . ولكن أبن سعود نجح في استرداد هذا الموقع الهام الذي أمّن له السلطة المطلقة في وسط الجزيرة ( نجد والقصيم والحجاز ) . والجميع يعرف جهود أبن سعود لدمج كل القبائل في وحدة وطنية وإخضاعه - في الحملة تلو الحملة - جميع الشيوخ الذين قاوموه . والآن أثناء إقامتي الأولى في أرض البدو كان أبن الرشيد - هذا الحاكم المنشق - لايزال يسيطر على القسم الأعظم من داخل الجزيرة العربية . وقد أصبح السيد المطلق ; مما جعل أسياده السابقين - عائلة أبن سعود يعيشون في المنفى لعدة عقود من السنين ; بينما تمتع هذا « الأمير الأسود » بالسيادة على المدن والواحات والكثير من القبائل البدوية في وسط الجزيرة . في تاريخ الجزيرة ليس هناك سوى القليل من الإنجازات التي تفوق في جسارتها أسترداد أبن سعود - مع حفنه من رجاله - لعاصمته الرياض وإخضاعه لحايل وشمّر , حتى أصبح بعد سلسلة من النجاحات حاكم الجزيرة الفعلي الذي يتطلع إِليه العالم اليوم بالإعجاب العميق . وفي هذه الفترة التي أتحدث عنها - 1912 - كان نواف بن نوري الشعلان في حرب ضد أعداء الرولة التقليديين وهم بدو الشمّر , وحاكمهم أبن الرشيد الذي يسيطر على الجوف . وكان الأستيلاء على هذه الواحة هدف هذا القتال الطويل المرير , إذ أهدر الكثير من الدماء وحصل كل عام على نصيبه من حياة الرجال . والآن أقترب نواف كثيراً من هدفه وسرعان ما سقطت الجوف بين يديه . كان لنواف ثلاثة أبناء منهم الأمير الشاب فواز الذي سأبدأ قصتي معه . إنني مدين لهذا الغلام بفضل حياتي مع الرولة كواحد منهم , والسماح لي بزيارتهم إحدى عشرة مرة خلال أثنتين وعشرين سنة ومشاركتهم في الترحال والصيد والحرب . وعبوري المتكرر لمراعيهم عاماً بعد عام على ظهور الخيول أو الجمال , وقبولي في القبيلة كزعيم رولي , ومعرفتهم بي وحبهم لي كما عرفتهم وأحببتهم . كان الأمير فواز في الثامنة من العمر . ومع ذلك فقد عرف عنه بأنه فارس بارع وصياد ماهر على الرغم من أن ساقيه كانتا قصيرتين للتشبث بجانبي الفرس , وكان ذراعاه ضعيفين لموازنة البندقية لفترة طويلة . أما القراءة والكتابة وهي ما يسميها العرب « العلوم الدنيوية » فلم تكن تهمه أبداً , فقد آثر ركوب الجمال أو الأشتراك في الصيد . وقد أخبرتني بكل أعتزاز والدته مشاعل . التي أصيبت بالعمى , أن بشائر الخير المستقبلية وضع نوري الشعلان للجام فرسه الحربية والخنجر الفضي في سرير الصبي . وهذا هو نفس الخنجر الذي قتل به نوري بالنزال الفردي أحد زعماء المنتفق الثانويين . بعد ظهر أحد الأيام كان فواز الصغير ومجموعة من أصدقائه الصبية يتدربون بالمقاليع , وهي السلاح الذي قتل به داوود غولياث , كانوا يرمون الحجارة المسطحة بدقة مدهشة على الأوتاد الخشبية المعقوفة , التي يبلغ أرتفاعها قدماً واحداً من مسافة ثلاثين خطوة . وخرجت من خلف الخيمة دون أن يراني الصبية . وصادف أن حجراً أصاب الخدف بالقرب مني وأرتد من الصقيل فأصابني في جبهتي بين العينين , وقد أصبت بالذهول للحظة نتيجة للصدمة لانتيجة للضربه نفسها . وحسبت لأول وهلة أنني أصبت برصاصة . وهرع إليّ فواز بفم فاغر ووجه خائف . ولاحظ الجرح في جبهتي وبضع قطرات من الدم على أصابعي التي ضغطت بها على جبهتي أثناء أرتباكي . وعندما أخذت الصبي بين ذراعي ورفعته ضاحكاً ليعلم أن القضية ليست بالخطيرة علتْ وجهه نظرة غاضبة كما لو أنه أهين . وتملّص من بين ذراعي ووقف أمامي ثم نزع كوفتيه وعقاله من رأسه تاركاً جدائله الست الجميلة تسقط على كتفيه وتصل حتى فخذيه . وصاح والدموع تنحدر من عينيه الجرئتين : « أنا دخيلك أنني أسلمك نفسي بوجه الله : أخبرني عن ثمن دمك ؟ » لم يبد في صوته أي ندم كما لم يعّبر عن أي رغبة في الغفران . كانت كلماته تحدياً واضحاً لأنه أعتقد أنني سخرت من عرضه . وأندفع قلبي نحو هذا المخلوق الصغير . لقد أحاط نفسه بجو من التحفظ والكبرياء , ومع ذلك كان من المستحيل أن أغضب منه . ألم تكن طريقته في التفكير تختلف كلياً عن طريقة الأوروبي ؟ وبدون قصد أثقل دم ضيف والده على ضميره ولم يفكر إلا في إراضائي قبل أن تنتشر أخبار هذه الحادثة . ولم يكن من المهم كمية الدم الذي أريق والذي كان في هذه الحادثة بضع قطرات , فالشيء المهم لديه هو القانون البدوي غير المكتوب الذي يضمن سلامة الغريب وحرمته ولو كان في خيمة بدوي وضيع . وثمن دم الضيف ضعف ثمن من يقتل في الحرب : خمسون جميلاً وأربعة خيول . كان عليّ أن أبتسم عندما فكرت في الثمن المقدر لبضعة قطرات من دمي . ولكنني خارجياً أعدت الوقار إلى وجهي وأستدعيت الأولاد الآخرين والرجال الذين تجمعوا حولي ليكونوا شهوداً . وقلت للأمير فواز : « لقد حدث ذلك حسب مشيئة الله . إنني لا أعرف أي ثمن آخر سوى صداقتك » . وساد الذهول التام لحظة من الزمن . وحدّق نحوي بعينين واسعتين . ومن المرجح أن الأمير فواز لم يستطع أن يصدّق انني - الغريب - أستطيع أن أستشهد بعادة أجداده القديمة . وفجأة رمى المقلاع المشؤوم وتقدم نحوي بذراعين مفتوحين وضمهما حول عنقي بتأثير صبياني عندما أنحنيت نحوه . وبعاصفة من الحب البهيج ضممت الصبي إلى صدري وقبلته على الخدّين . وبإصبعه الصغيرة لمس برفق الخدش على جبهتي ودلك أربع قطرات من الدم على جبهته بين حاجبيه الأسودين وهذا هو المعروف بدوياً بنور الدم . وبهذه الطريقة الغريبة الدرامية أصبحت - بمشيئة الله - أخ الأمير فواز بالدم . وبعد فترة قصيرة تعمدت صداقتنا بالنار . خرجت للغزو عصبة من الرولة ( قوامها مئتان وثمانية وستون محارباً بقيادة رشيد بن وفا ) إلى الحماد ومنطقة الوديان ضد بدو ( الشمر ) , وخرجت بصحبتهم , وسرنا أثنتي عشرة ساعة في اليوم الأول . وفي المعسكر في تلك الليلة كنا نتفحص معداتنا وقرب مائنا وماشابه ذلك . وكم كانت دهشتنا عندما أكتشفنا أن الأمير فوّازاً غارقاً في نومه ملفوفاً بخرج الجمل المصنوع من شعر الماعز . وهي أوعية ضخمة مصنوعة من جلود الماعز . ولم تصدر عنه أية إشارة أو أي صوت خلال المسيرة الطويلة الشاقة تُعْلِمُنا أننا نحمل معنا متخفياً . وأراد قائدنا رشيد ( من مراف الرولة ) ان يعيد الصبي إلى المضارب في الصباح مع أحد ركاب الجميل , ولكن فواز توسل بجيدة لمست قلب قائد الغزوة فأرسل رسولاً إلى خيام مشاعل ليخبرها أن أبنها معنا . واستمرت غزوتنا نحو شهرين . عندما عدنا _ بعد أن أرهقنا التعب وتكبدنا الخسائر الفادحة ولكن منتصرين _ أخذ الأمير فواز أربعة من جمال الغنائم الغبراء إلى المضارب وأناخها أما خيمة أمه العمياء . وتساءلت مشاعل التي لم تزل شابة عن الغريب الذي ينزل في ضيافتها فصاح أحد الرولة « يا خالتي إنه أمير عظيم يأتي ليشرفك أيتها الأبنة المباركة » . وسألت الأم : « أين ديرته لأرسل عبدنا العجوز حمد ليعلن أنه جارنا » فأجاب الرولي : « أسمه الصقر الصغير وديرته تمتد أمتداد البصر . إنه أبنك يا أم فواز » . وفي تلك العزوة قطعت يد قائدنا رشيد اليمنى بالسيف فأغمى عليه من فقدان الدم , ولكن العبيد غمسوا الذراع المقطوع بالزين المغلي _ وهو علاج يائس , لكنه ناجح لأن رشيد أستعاد وعيه . ومنذ ذلك اليوم حمل رشيد ذراعه المقطوعة معه في سرج بعيره . وقد جفّت تماماً مثل المومياء . عندما وصلنا بحر سيجال وهو القلعة التركية الأولى قرب الضمير , أرسل قائدها كتيبة من الفرسان إلى معسكرنا لأنه كان قد أخبر تلغرافياً بعملياتنا غير المشروعة في جوار الأراضي الزروعة في مابين النهرين . كانت القوة تبحث عن رشيد لكونه مسؤولاً عن ذلك . ولكن رشيد لم يستطع حمل ضميره على القبول بالزنزانة التركية . وضع ذراعة المقطوع الجاف في حقيبة جلدية وأملى على كاتب فواز الرسالة التالية إلى القائد التركي الصغير في الضمير : « بسم الله الرحمن الرحيم . لا أستطيع أن أخدم سلطان كعسكري لأن لي جدعة ذراع . كما لا أستطيع أن أعمل في خدمتك كسجين , ولا أستطيع أن أنشد على يدك كصديق . فيماذا أفيدك ؟ ولكني أرسل لك ذراعي كرمز لأستسلامي النهائي لأنه معتاد على قطع يد السارق . وتأكد أنها ذراعي - ذراع رشيد بن وفا قاطع الطريق . وليرحمنا الله » . *** الرجاء حفظ حقوق النشر اخوكم / طارق الرويلي |
|
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 09-25-2006 الساعة 05:36 PM |
| | #6 |
|
: الادارة : | فارس « صديق الله » عند بداية الحرب - وبعد أن كنت قد أمضيت بين العرب ثلاث سنوات - عدت إلى موطني الأصلي وعرضت خدماتي كمتطوع في سلاح الفرسان الألماني . ولكنني أرسلت إلى إستنبول وعملت في ظل الهلال التركي أثناء قتال الدردنيل . وفيما بعد ألحقت باللواء الرابع التركي في قناة السويس . وهنا وقعتُ - مثال الكثيرين - ضحية الحمى النمشية , ولكنني شفيت منها بعكس غالبية المرضى . كانت صحتي قد اعتلت كثيراً حتى انني أعدت إلى البلاد كعاجز مرضياً . فالقدر على مايبدو لم يرغب في أن أتورط في حرب الصحراء والسياسات البدوية . أصبت بالملاريا وبخرّاج على الرئة نتيجة للحمى النمشية . كانت النقاهة الإجبارية مفيدة لي على المدى الطويل فلقد منحني الله جسماً قوياً . قصة حياتي حتى الآن هي كالتالي : عندما بلغت الثامنى عشرة من العمر ذهبت إلى شمال إفريقية وبعدها بسنة واحده كنت في الجزيرة العربية , وعندما بلغت الحادية والعشرين والنصف أصبح مسرح نشاطاتي في منطقة الدردنيل , وما حولها , وتبع ذلك تجربتي الميرية التي دامت ثمانية أشهر في قناة السويس أعقبتها فترات طويلة من المرض . وعندما أحتفلت بعيد ميلادي الرابع والعشرين كنت مجرد هيكل عظمى تفوح من دمي رائحة الحمّى . وعلى الرغم من أنني لم أكن أستطيع الوقوف على قدميّ فقد عبّرت عن رغبتي في ان أخدم في تركيا ثانية , ولكن السلطات لم ترغب في وجودي هناك . وبدلاً من ذلك أرسلتني إلى روسيا حيث قضيت ثمانية عشر شهراً في معسكرات فرز الأسرى . ووجدتني الخدنة في أوكرانيا بعد أنهيار ألمانيا وثورة بولندا . فضاع كثير مما كنت آمل فيه , فليس لي مستقبل في أوربا . والشرق الأوسط مغلق في وجه الألمان . أتجهت إلى كالفورنيا فوصلتها وليس في جيبي سوى دولار ونصف . وبعد أن بعت عدساتي وآلة تصويري ( هي رفيقاتي في بلاد كثيرة ) في نيويورك لأتمكن من جمع الأجرة إلى سانتا آنّا . وهنا في أرض السمن والعسل والفاكهة والشمس المشرقة أصبح بإمكاني التطلع إلى حياة جديدة مليئة بالصحة والسعادة . عشت في مزرعة حيث قضيت أكثر من ثماني ساعات يومياً على ظهر الخيول . وهكذا أستعدت صحتي وجددت دمائي . وبحلول عام 1926 أصبحت رجلاً جديداً وبدأت أفكاري تتجه نحو الجزيرة العربية . وأخذ حنيني يزداد - إلى البدو . أما زال الأمير فواز على قيد الحياة ؟ كيف تسير أحوال الرولة ؟ ونوري العجوز ؟ وأتى اليوم الذي لم أستطع فيه مقاومة الحنين . وبالفعل بعد أربعة أسابيع أحتفلت بلقائي بنوري الشعلان ثانية في دمشق , حيث عاش منذ نهاية الحرب العظمى . وفي سن الثمانين مازال شيخ عشيرته على الرغم من أنه يعيش في المدينة ويتلقى دخلاً محترماً من الفرنسيين , وقد أصبح مؤخراً نائباً في البرلمان السوري . وعهد بمشيخة قبيلته في الصحراء إلى حفيده الأمير فواز نفسه . وعلمت أن نوافاً والد فواز وأثنين آخرين من أولا نوري قد ماتوا خلال غيابي . ولقد دهش نوري كثيراً وسرّ كثيراً لرؤيتي ثانية بصحة جيدة ومعنويات عالية . وقادني إلى غرفته الخاصه التي فرشها حسب ذوقه البدوي . كانت كداخل خيمة بدوية بموقد القهوة وكومة الرماد الأبيض وفرشاتها ووسائدها العديدة القائمة مقابل شداد الجمال التي كانت دافعاً إيجابياً للكسل . وعلى عمود ارتفاعه متر واحد وقف صقر صيد عريض المنكبين , وقد خبأ أحد مخالبيه تحت ريشه على أستعداد للأنقضاض . ونزع نوري فارس « قبعة » الصقر الجلديه فرمقنا بعينيه الواسعتين السوداوين وبدأيصوت . ثم طلب نوري العجوز حمام وأطلقها في الهواء . وبحركة سريعة كالرق لايمكن للعين متابعتها أنقض الصقر على فريسته ومزقها . القسوة جزء لايتجزأ من البدوي , فهو يسرّ لرؤية الدم السائل . وبدا كأن نوري يجدد نشاط شباب باللهو بالصقر . في هذا العالم لايصارع الأقوياء أمثالهم بل كثيراً ما يكون الضعفاء ضحايا القسوة الخالصة . وفي الجزيرة العربية خصوصاً لايمكن للمرء ان ينسى ذلك . وبعد أسبوع أستأنفت رحلتي إذا أعطاني نوري رفيق سفر وحارساً فارس أبن نايف الصعبي , وهو بدوي شمريّ شاب لكي أقوم برحلتي بأماني إلى قبيلة الشيخ العجوز العظيمة بجوار وادي سرحان ورمال صحراء النفوذ الحمراء . كانمن الغريب أن يكون دليلي إلى الرولة بدوي شمريّ لأن هاتين القبيلتين عدوتان لدودتان لعدة قرون . ولكن عائلة فارس مع الرولة لمدة ستة عشر عاماً بسبب عداوات الدم , وهذا يفسّرسبب حمايتي من قبل شمّري في أراضي اعداء عشيرته الألداء . ولكن هذا الأختيار دلَّل أيضاً على حكمة نوري الشعلان لأن فارس يستطيع حراستي من أعداء الرولة لأنه شمّري , كما أنه يستطيع ضمانتي أما أي رولي لأنه كاتم أسرار نوري . وفارس هذا رجل فذ ; فمنذ اللحظة الأولى للقائنا عندما قدمني نوري له شعرت بأن ذلك أكثر من معرفة عابرة . فنعومة صوته عندما ألقى علي السلام وقبضة يده القوية كشفت لي في لحظة واحدة نفس هذا البدوي الشاب الطاهرة الصريحة . فَتَحْت عباءته ينبض قلب رقيق وقوي يجعلني أعترف بأنني لم أصادف مثيلاً له بين البشر . وحتى آخر رمق بقي أخلص صديق عرفته . وجه البيضوي النبيل لا يمكن أن ينسى وكذلك عيناه السوداوان اللطيفتان . كما أن شعره ولحيته وعباءته الفضفاضه جعلت منه شخصية أخاذة . وعلى الرغم من رقته وليونته كان فارساً من أشجع وأجسر أبناء إسماعيل , ربما كان يعيش متأخراً على عصره بألفي عـــام . وبعد أن تركنا ضواحي دمشق القديمة خلفنا قادنا طريقنا عبر بساتين المشمش والزيتون والجوز إلى السهول المفتوحة . وشمخت قمم الجبال السورية المغطاه بالثلوج إلى السماء الزرقاء . الطريق الطينية الجافة الوعرة تخترق الحقول الجرداء والمراعي الرمادية القاحلة . وبعد ذلك وصلنا السهول الفسيحة التي تخترقها شبكة من الطرق المتقاطعه بفوضى مربكة . وعلى حافة السهول ايوجد مخفر جمرك سوري حيث دققت جوازات سفرنا . وأخيراً أصبح بإستطاعتنا التخلي عن الطريق البري والدخول في الصحراء المجهولة دون أية طرق أو علائم . وأنطلقت سيارتنا فوق التربة الصلبة الجافة المفروشة بالحصى بأتجاه الشرق بأستمرار بمحاذاة لسان أرضي بلا نهاية , وبدا أنه ينغمس أعمق فأعمق وسط بحر غامض بلا حدود . وفوقنا كانت السماء صافية , وعلى الجانبين ظهرت العرب كأشباح تخرج من السديم . ولم يكن لديهم سوى القليل من الجمال والخيول , بينما ركب الرجال على الحمير وهذا دليل على صفتهم . كانو من الفواعر , وقد لاحظناهم أثناء اتجاهنا نحو بقعة من الماء تلمع في أنهدام متطاول في الصحراء . كان السراب كثيراً , وغالباً ماكان خداعاً لدرجة لا يمكن تصديقها . إذ لم يكن من السهولة تمييز برك الأمطار الحقيقية ( التي يبلغ عمقها حوالي القدم فقط والتي تماوج الريح سطوحها ) عن البرك السرابية التي تبدو سطوحها لامعة . وفجأة احظنا أمامنا بعض قطعان الأغنام التي تعبر الأراضي التي يغمرها السيل حتى الصدر . وخففت السرعة أوتوماتيكياً لأنني رأيت فجأة على بعد أقل من مئة ياردة بريق ماء بحيرة ضحلة والسيارة تتجه إليها مباشرة . أدرت عجلة القيادة . وعندها فقط أدركت أن ما رأيناه لم يكن سوى حوض جاف أمتلأ بالهواء الحار البرّاق وبالسرعة القصوى دخلت في الحوض بأتجاه برك المطر . وأقتربت الأغنام أكثر فأكثر وفي لحظة واحدة تغير الصورة بأكملها . أختفت البركة الطويله العريضة , ولم يعد هناك أي أثر للماء . وبدلاً من الماء المتلأليء رأينا حولنا كتلة مغبرة من القطعان - آلاف وآلاف من الغنم والماعز - . وأوقفت السيارة لتمر الحيوانات ووصل إلينا الرعاة بنسائهم وأولادهم وتحصونا بفضول وحيّونا بالسلام . قمت بتوزيع السجاير والحلويات . وبالمقابل أخبرنا البدو الرحل كثيرو الكلام أنهم عائدون إلى مراعيهم الأصليه في الشمال لأن القبائل البدوية الأخرى نازعوهم على منطقتهم . وبعد أبتعادهم أصبحت الصحراء خالية من جديد . وأمامنا أمتد الحماد . المرتفعات الشمالية من الجزيرة العربية التي بدت أنها تمتد إلى ما لانهاية : أرض منبسطة قاسية ولاشيء هام يغيّر وتيرتها التريبة لمئات الأميال جنوباً وشرقاً . وأثناء أجتيازنا لهذه الأراضي المرتفعة الجافة - ساعة إثر ساعة - كانت تهب امامنا من مراعي الإبل أسراب هائلة من الطيور المهاجرة . كانت تطير لبضعة مئات من الياردات قبل أن تحط ثانية على الأرض كالسحب . ولكن جفلت منا حباري الصحراء الخرقاء . كما هبّت امامنا أسراب كبيرة من طيور الطيهوج . هذه الطيور الصحراوية - التي يساوي حجمها الحجل الأوربي - تتغدى بصورة رئيسيه على اليرقات الحمراء اللاهبة التي تتوضع على كل ورقة وساق في البرِّيَّة القاحلة . خرج ذئب صغير من مخبئه كما قفز ثعبان بعيداً عنا . كما صادفنا أيضاً بومة كبيرة وقفت تطرف بعينها بارتباك في ضوء النهار فأوقفنا سيارتنا بالقرب منها . وفجأة - قبل غروب الشمس - هطلت زخّة من المطر أنعشت الصحراء الصغيرة . قضينا معظم الليل فيستر قاع نهر جاف مستلقين على الرمال . وفي مساء اليوم التالي بعد قيادة جنونية تطاردنا عاصفة رملية إلى الرولة . كانت القبيلة الكبير كلّها تهاجر نحو الشمال وخيامها تمتد أبعد من مدى البصر وقطعانها الهائلة منتشره في كل اتجاه . احتوى انهدام ضحل نحو ثمانين خيمة في مختلف الأحجام وواجهاتها المفتوحة كلها بأتجاه الريح , وبينها انتصب أوسع سرداق في الجزيرة العربية ألا وهي خيمة نوري الشعلان الشهيره . توقفنا هناك وكان سؤالي الأول عن الأمير فواز . ولكن زعيم الرولة الشاب لم يكن في بيته بل كان في زيارة عشيرة تخيّم بعيداً عن المضارب الرئيسية . *** .. الرجاء حفظ حقوق النشر .. .. اخوكم / طارق الرويلي .. |
|
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 09-29-2006 الساعة 04:34 PM |
| | #7 |
|
: الادارة : | الراعية الوحيدة في صباح اليوم التالي انطلقنا - انا وفارس - على ظهور الخيل لأن رئيس المضارب أعارنا فرسين . وتكسّرت أغصان الخزامى والبابونج الدقيقة تحت حوافر الخيل بصوت يشبه حفيف الحرير . وامتدت السهوب حولنا فوق التلال والسهول الفسيحة التي زارتها الأمطار , ولكن مامن أثر للإنسان هناك فلا هجرات بدوية ولا رعاة يسوقون قطعانهم . فكل ما يمكن تلمسه هو روعة الصحراء البكر . أطلت شمس الغروب علينا من بين السحب الرعدية . وتراقص الشرق المعتم بالبرق الخلَّبِيّ وقصف الرعد من بعيد وتراكضت بعض السحب الرمادية أمام رياح المساء مع حلول الظلام . وعندما شددنا الأعنة فوق قمة إحدى الهضاب أتانا من الأعلى صوت يشبه ضربات الأجنحه العملاقة , إنها الرياح الدافئة تدفع اماها زخَّة ربيعية . ونصبت فرسي « سادها » أذنيها بفضول وتراقصت بقلق , وضربت الأرض بحوافرها وحنت رأسها وصهلت برقّة . وبعد ذلك هزت عرفها وضربت بذيلها على جانبيها الضامرين ورفعت عنقها نحو الأعلى . لقد أكتشفت حواسها الحادة - كحواس كلاب الصيد - شيئاً . وهرولـت نحو الأمام بقوائم خفيفه وأذنين منتصبتين وخياشم متسّعة واتجهت نحو نار صغيرة ظهرت لنا فجأة بين الظلال المتشابكة للسماء والأرض . ثم أخفتها زخة جديدة من المطر ثانية , وبعد أنقطاعها رأينا أيضاً قطيعا ً محتشداً من الغنم بللته الامطار . واعترض كلبان ضخمان أقترابنا بنباحهما الغاضب . وأتانا صوتأمرأة من قرب النار يقول : « من هناك ؟ » وباستعمال يدي المبلّلتين كبوق لكلام صرخت بعكس الريح بأعلى صوتي «أصدقاء» . - ومن معكم ؟ -الله وحده - - عليكم السلام ورحة الله وبركاته - خرجت صبية بدوية من خيمة صغيرة طالبة من كلبيها الأبتعاد عندما ترجلنا . وأخذنا فرسينا ووضعت أمامها وعاء من الحليب , وسمحت لنا بالأقتراب من النار التي فرقعت بشدة لأن كل قطرات المطر الثقيلة سقطت فوقها , فامتلأ هواء الخيمة بدخانها اللاذع . وبدت الخيمة بجانب النار مأوى صغيراً لايكاد يستحق أسم خيمة , إذ كانت قطعة واحدة من قماش شعر الماعز الخشن طأنها مجرد ستارة مطر لوقاية الراعية وكلبيها . وفي داخل الخيمة التجأ حمل صغير وأمه التي كسرت ساقها . فجبرت الساق وثبُّتها ببعض الأغصاب وبضماد القماش . بينما كانت الفتاة تراقب معالجتي بعينيين ملهفتين . كانت الفتاة في السادسة عشرة من عمرها : جميلة للغاية رشيقة مثل كل النساء البدويات , وقد أصطبغت وجنتاها اللتان لفحتهما الشمس بالدم . وكان شعرها الكثيف الناعم وأنفها الشامخ , يشيران إلى أن الفتاة يشيران من نسل إسماعيل النقي . وحسب عادة الصحراء القديمة وضعت أمامها وعاء من حليب الغنم الطازج ثم أستدارت نحوي أولاً وقالت : « أقسم لأختك أنه لن ينالها أي سوء » . وحدقت في وجهي بعينين واسعتين واثقتين , ولمعت أسنانها البيضاء وتراقصت الغمزات الصغيرة في خدّيها . وأخذت غصناً جافاً من كومة الحطب بجانب النار وقدمته لي قائلة : « خذ هذا بيدك واحلف بالله الذي يحيي كل شيء » . وبسرعة نفذت طلبها وتعهدت بحرمة ضيافتها بقسم لا يخرقه حتى الأطفال في الصحراء وهو صيغة أبناء إسماعيل القديمة : « بسن الله . كما أخذ الروح من هذه القطعة الخشبية الميتة فليأخذ الله روحي مني إذا لم أحافظ على روحك وجسدك وأحميهما يا أختاه » . وبعد أن أقسم فارس أيضاً تشجعت وطلبت أن نتصرف بحريتنا في خيمتها , ووضعت أمامنا كل ماتملكه من طعام : الخبز والحليب الطازج وبعض الزبدة والتمر المحفف . وبينما كنا نتناول عشاءنا سحبت إلى الخيمة حملا صغيراً يثغو بأسى ويحاول التحرر منها , وعندما أنحنيت لأمسك بالحيوان أستلت الفتاة خنجري من نطاقي وصاحت : « أذبح لي هذه الضحية لكي أطبخها لكما » . وأخذت الخنجر المعقوف من يدها ثم تركت الحمل يعود إلى القطيع ولكن الفتاة نظرت إلى لائمة فقلت لها : « لقد قدمت للغريب كل مايسد الرمق . يشهد الله أننا لا نستطيع أكل حمل كامل . كما أنني لا أرى أي وعاء يمكن أن تطبخي فيه اللحم » فأجابت الفتاة : « ولكنني أستطيع شوي الكليتين والخصيتين على هذا السفود » . لحسن الحظ خافت الفتاة من ذبح الحيوان بنفسها مما سهل علينا إقناعها بأنه لا لزوم للضحية . ولكنها كانت تخشى أن يلومها والدها لأنها لم تقم بوجاب الضيافة البدوية الكاملة . وبدون كلام جلست أما الخيمة وأضرمت لنفسها ناراً صغيرة أضاءت جسدها عندما أنحنت فوقها . وتراقص الضوء على وجهها الجميل البراق بقطرات المطر فأظهرت صورة رائعة للجمال الطبيعي والصحية . وعندما أتضح لنا أن الراعية الشابة عزمت على قضاء الليل في العراء والمطر دون وقاية ألححت عليها ألا تخاف وان تقاسمنا الخيمة , بل هددت بأننا سنرحل إذا لم تفعل , ولكنها لم تأخذ تهديدي على محمل الجد : ضحكت وأجابت بخفة بأنها تستطيع الذهاب إلى خيمة والدها والعودة في الصباح . وهنا قاطع فارس قائلاً : « من هو والدك ؟ » . - إنني تويما بنت شاعل بن سرحان , وخيامنا منصوبة من عشرية الفريج . فأجاب فارس مداعباً : « إن المسافة بعيدة إلى خيمة والدك والوقت ليل فثقي بنا وتمددي هنا عند أقدامنا » . فقالت الفتاة أخيراً : « وفي الحقيقة لست خائفة . أبقيا عندي ولا ترحلا » . ونهضت أثناء حديثها ورمت بعض الأغصان على النار وأنتظرت حتى تشب النار . ثم أنتصبت بقامتها الجميلة المديدة ورمت عباءتها على كتفيها ودخلت الخيمة . وقفت امامنا وهي تنزع « شالها » وامتدت ذراعاها النحيلان ومعصماها الدقيقان فوق رأسها وبدأ عليها الأطمئنان بينما كانت عيناها السوداوان ترمقاننا بإستيحاء . تمددت في حماية الخيمة وخلفي النعجة العرجاء وحملها اللذان وجدا مكاناً دافئاً عند كتفي وفروتي . ونهض فارس عندما دخلت الفتاة وساعدها على نشر عبائتها المبللة فوق عمود الخيمة وبعد أن هيأت لنفسها « مفرشاً » وأسقلت نشر فارس عباءته عليها . واحتجت الفتاة لكن فارس أشار إلى فروته وجلود الغنم التي معه مما جعل الفتاة تطيعه وهي ترمقه بنظرة محببة . وكنت انا وفارس مصممين على ألا نخون ثقة تويما فينا سواء بالقول أم بالعمل . صحت السماء ونشر القمر الهادئ نوره في الصحراء وألقى أضواءه على منحدرات التلال البعيدة بينما أخذت الريح الدافئة تجفف السهوب والأعشاب والأزهار والأغنا المرتعشة وقماش خيمتنا . كان فارس وتويما يغطان في نوم عميق كما أدركت من تنفسهما الرتيب أما انا فكنت مستغرقاً بين النوم واليقظة . وفجأة بدأ الكلبان ينبحان بحدة . وفي لمح البصر أستيقظ فارس وسحب مسدسه من قرابة واندفع خارج الخيمة . ولكن حتى قبل أن يتجاوزه ظل الخيمة لحقت به تويما ورمت بذراعيها حول حسمه وصاحت محذرة : « لا تطلق النار لأنك ستفزع القطيع . إنها مجرد ذئاب صغيرة وسيطاردها الكلبان » . ونادت على صخان وقصاب وحثتهما على مطاردت الذئاب . أنزل فارس مسدسه فأخذته تويما وأعادته إلى نطاقة ولكنها لم تتركه . وضغطت على نفسها بأستحياء عليه وذراعاها تطوقان فخذيه وتراقصت ملابسها بخفة بفعل النسيم الجاف الدافئ . ونشرت السهوب عطرها فبدأ الجو مشبعاً برائحة تشبه عطر الخزامى . وطلع الفجر يكشف عن أصوات القطيع المحتشدة بعد أن عاد إلى هدوئه ثانية . ومن البعد أن وصلنا نباح الكلبين الذي أخذ يخفف تدريجياً إذ إن الكلبين مازالا يطاردان الذئاب . وبالقرب منا أخذت فرسانا المربوطتان تقبعان . وتحرر فارس برقة من ذراعي تويما ثم أخذ بيدها وأدخلها إلى الخيمة حيث جلسا جنباً إلى جنب . وعندما مال نحوها وقبلها من قمة رأسها أستلت تويما خنجره من غمدة ووضعته على حضنها وقالت : « دع هذا الخنجر يستقر في حضني » . وبهذا ذكرته بعذريتها لأن عفاف الفتاة بين البدو الأصلاء كان ومازال أثمن فصل في مجموعة قوانين الشرف . ومن أجل خرق هذا القانون يمكن أن يقتل الأب أبنته والأخ أخته ويطقع لحمها أرباً أرباً . وأخترقت الشمس حجب الصباح قاذفة أصابعها الملتهبة عبر السماء وأكتست الأرض المظلمة بالحمرة الوردية . فقال لمحبوبته « صباح » ولكن الصباح أيضاً كلمة شاعرية تعني « العروس البكر » وأمالت تويما خدها على خده . وهكذا جلسنا بلا حراك ولا كلام . ثم نهضت تويما وسارت نحو قطيعها ولكنها توقفت فجأة وتسمرت في مكانها . واغترفت عينا فارس المفتوحتان من جمال قامتها التي بدت بوضوح تحت ثنايا ثيابها الرقيقه وقد زادتها أشعة شمس الصباح جمالاً على جمالها , وعندما بدأ فارس بالسير نحوها تضاحكت وهربت مسرعة واضعة في نفس الوقت شالها حول كتفيها حتى وصلت إلى الأنهدام الذي يرعى فيه قطيعها ويلعب كلباها يتقلّب احدهما فوق الآخر على الأعشاب النعامة . وأنتشرت أشعة الشمس الصافية فوق البرية , وفي هذا الجو البلوري والصافي يمكن للعين أن تمسح الآفاق البعيدة عبر الهضاب . وهبت قنبرة سعيدة ترتفع أكثر فأكثر في نشوة التغريد . وفوق السهوب مازالت تتهادى الرياح الدافئة الناعمة , هذا هو الصباح الذي أستيقظ فيه الحب في قلب فارس . وبعد الإفطار كان علينا أن نتابع مسيرتنا , أعادت تويما إشعال النار في الموقد وخلطت بعض الدقيق بالماء البارد وجعلت العجين في أرغفة صغيرة رقيقة وخبزتها على حجار النار , وأثناء الإفطار أخذت تغمس التمر في الزبدة وتضع هذه اللقمات في فم فارس وفي فمي بالتناوب . - وسألت تويما حبيبها الجديد : « هل ستعود ؟ » . - فأجابها متسائلاً : « هل ستذكرينني ؟ » . - فأجابته متسائلها بدورها : « وأنت ؟ » . ثم قادته من يده نحو فرسه . وعندما رمة نفسه على ظهر الفرس أخفت وجهها عند ساقه وبدأت بالبكاء فانحنى ورفع رأسها بلطف من الذقن ونظر طويلاً إلى عينيها . ولما تاق وجهها المرتفع نحوه التقت شفاههما للمرة الأولى ولامس جفنها خدّه . وقال لي فارس فيما بعد : « تلمست أسنانها البراقة عندما فارقت شفتاي شفاتاها فوجدتها كطعم الحليب » . وصاحت تويما بعد أنطلاقنا : « ابقيا » . فصاح فارس : « يشهد الله أن حبّك منذ الآن سيكون رفيق قلبي الدائم » . فقالت : « السلام عليك يافارس » . وكلما ألتفتنا إلى الوراء وجدنا تويما واقفة بجانب قطيعها بدون حراك وهي تحدّق فينا . وعند التلة الأخيرة نزع فارس كوفتيه ولوّح بها إلى صورة الفتاة البعيدة فلوّحت له بشالها بالمقابل . *** .. الرجاء حفظ حقوق النشر .. .. اخوكم / طارق الرويلي .. |
|
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 09-29-2006 الساعة 04:31 PM |
| | #8 |
|
: الادارة : | ملاقاة أخي في الدم ثانية أبتسم الهدوء والسعادة على العالم . وهنا وهناك لمعت بركة مطر في انهدام . بينما الشمس والريح جففت قمم التلال . وانتصبت أمامنا زوبعة كنست الأرض كالمكنسة , واقتلعت الأعشاب والورود الصغيرة أو أختطفتها أو مزقتها , وخلفت وراءها أثراً متكسّراً كأثر حيه ضخمة . اما نحن فقد غطانا الغبار والطلع . كانت أصوات الهدهد تنبعث من بين الأعشاب بينما كانت الحبارى وطيور الحجل مشغولة بإصطياد اليرقات الحمراء الناعمة . وفجأة عند وصولنا قمة إحدى الهضاب رأينا خياماً سوداً في أسفل السفح المقابل . بعد قليل سأرى الأمير فواز ثانية . وانتصبت خيمة المضافة بعيداً عن المكان الذي كانت فيه , تلك الخيمة التي استمتعت فيها بضيافة نواف وتعرفت على ابنه فواز الصغير قبل سنوات طويلة مثيرة . ومع ذلك فقد بدا كل شيء على حاله , وشعرت وكأني أعود إلى ذلك الزمان والمكان . وبدت نفس الصفوف المتناثرة من الخيام السود الصغيرة المفتوحة من الأمام , ونفس قطعان الجمال المنتشرة في الصحراء اللامتناهية تحت أشعة الشمس البراقة . ووسائد شداد الجمال التي اتكأت عليها في خيمة الضيوف , والنار في الموقد حيث يغلي ماء القهوة بدت نفسها دون تغيير , وجناح النساء في الخيمة بما فيه من السروج والخرج والفرشات والوسائد وما إلى ذلك كلها بدت كما رأيتها آخر مره . وعلى يسار خيمة الضيوف انتصبت خيمة اخرى , وخرج من الخيمة بدوي شاب بملابس عادية , ولكنه محاط بأربعة عبيد يحملون صقور الصيد , وإلى جانبهم مجموعة من كلاب الصيد السلوقية . وعندما توجهت لملاقاته تملكني شعور غريب من الوهم . لقد عرفت بالطبع من هو ولكني في تلك اللحظه لم أستطع أن أشعر بأن هذا الشيخ المهيب الذي يتقدم نحوي بوقار ذلك الصبي الصغير اللعوب , ذلك المتشرد المتسخ المحبب الذي أخرجناه ذات ليلة من خرج الجمل . ولكنني على الفور ادركت شيئاً واحداً : فواز لم يعرفني ' وأسمي - كما يقتضي واجب الضيافة العربية - لم يلفظه احد بعد وإن أخبار مقدمي لم تسبقني إليه . ورمى أحد العبيد سجادة صغيرة على قدمي وهي سجادة سوداء ذات إطار مزخرف وملون . عند هذا الرمز الصغير المقدس تبادلت التحيات مع الامير . ووضع يده اليمنى على قلبه وقال : « سلام الله عليك » ثم قادني إلى داخل الخيمة . فرش العبيد الأربعة سجادة المناسبات الثمينة فغطت أرض الخيمة كلها . وعلى الجانب الآخر من الموقد تكدست كومة عظيمة من جلود الغنم والسجاد والوسائد تجاه أسرجة الجمال , لتكون ديواناً رائعاً وهو عرش زعيم الصحراء . خلع فواز صندله وأشار إلي بالجلوس إلى يمينه , وأصطف الوجهاء والعبيد وأفراد حرس الأمير على السجادة العظيمة . ولم يتكلم أجد على الأعين أتجهت نحو القهوجي الذي نبش بضع جمرات من رماد الموقد , وأضاف كمية جديدة من بعر الجمال الجافة , وقطع صوت الماء الغالي في وعاء القهوة الكبير السكون السائد . وأخذ خادم الأمير الخاص « مناحي » عوداً من البخور من ثنايا كوفيته وقطع قطعة منه وألقاها على جمر بعر الجمال المتعوهج . إنه نفس الشخص الذي فرش سجادة اللقاء . وعبر قماش السقف الأسود تسللت أشعة الشمس الضعيفة ورسمت صورة من الأضواء والظلال على الأرض . وتحلق الوجهاء والفرسان والعبيد على شكل نصف دائرة صامته , ومقابل هؤلاء الأشخاص المقرفصين كان « مناحي » وحده واقفاً . أتخذ مكانه على يساره سيّده ووقف هناك بلا حراك وقبضة إحدى يديه القويتين على مقبض سيفه الفضي . واسترقت النظرات الخفيه إلى مضيفي . فقد أحاطت كوفيته بوجه نسائي بيضوي له ملامح منتظمة وأنف معقوف قليلاً يدل على نسبة الأصيل , وعيناه السوداوان الواسعتان البراقتان يعلوهما حاجبان كثيفان تحت شارب الأسود الصغير . وكلما أكثر من النظر إلى هذا الشاب الرومانتيكي تعرفت فيه على ذلك الأخ القديم الصغير الجريء . وقد كلفني الكثير من جهد الإرادة لأكبح جماح قلة أصطباري وعدم الإعلان عن نفسي , ولكن كان علي أن أنتظر اللحظة المناسبة . فحتى الآن لم ينبس أحد ببنت شفة , وكلما بدا - أو تظاهر بذلك - بأنه مهتم حصراً بالقهوجي الذي مازال يجهز القهوة قرب الموقد . وفقاً لآداب السلوك في الصحراء يعتبر إثقال الضيف بالأسئلة الشخصية من أبواب عدم اللياقة . وأخيراً قدَّم لي فواز المفتاح المنتظر بأن التفت إليَّ فجأة وقال : « مهما كانت البلاد التي أتيت منها أيها الغريب فمرحباً بك » . فأجبته : « أيها الأمير فواز ! لا يمكن أُدعى غريباً بين قومك . لأنني في يوم من الأيام وفي هذه الخيمة نفسها عرفت صبياً أطول قليلاً عندئذ من هذا السيف تحت قبضة خادمك . وبعد ظهر أحد الأيام عندما كان ذلك الصبي وأصدقاؤه يرمون بالمقلاع حدث - بمشيئة الله - أن أقتربت من ذلك المكان فأصابتني حصاة رمتها يد ذلك الصبي تماماً بين العينين . وكان بإمكان أي شخص أن يقول إن الله وضع نور الدم علامة على جبهتي ولذلك طالبت عندها بثمن باهظ لدمي » . أصغى فواز برأس مطرق وعينين خفيضتين كما لو كان يتذكر ثم رفعهما ثانية , وحدّق فيّ لحظة كما لو كان في غيبوبة . ثم أضاء وجهه وقفز واقفاً يصرخ من الفرح وأمسك بكتفي وضمني إلى صدره صائحاً « عزيـز » مستعملاً الأسم الذي أطقلته عليَّ قبيلته في أيام طفولته « عزيز ! لقد عدت ! الحمد لله ! » . وقبلني على الخدين وضمني إليه مرة بعد مرة وقال : « الآن فهمت الكلمات التلي تعلمتها من أستاذي ( أنت يا من يتبع ببصره جناح الطير أو مسار حصاة تطلقها يدك ماذا تعلم من تدابير الله ؟ » . نعم لقد عدت . وأصبحت ثانية بين البدو لأرحل ثانية مع قطعانهم ولأنام تحت سقوف خيامهم , ولأقطع فرسخاً بعد فرسخ راكباً على جمال السباق تحت الشمس والنجوم , ولأعدو على ظهر خيولهم الأصيلة التي « تشرب الريح » وإلى جانب مواكبنا تحري كلاب الصيد السلوقي . *** .. الرجاء حفظ حقوق النشر .. .. اخوكم / طارق الرويلي .. |
|
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 09-29-2006 الساعة 04:33 PM |
| | #9 |
|
: الادارة : | حب في الصحراء إنه فصل الخصب العظيم هنا في الجنوب قرب وادي السرحان . فالمطر والزخّات الرعديه فوق كل الأراضي , أصبح وجه الأرض واحداً عظيماً . وضروع النوق المنتفخه يتصبب منها الحليب . وصغار الإبل كثيرة - مخلوقات مضحكة خرقاء طويلة الساقين - وملأ الجو خليط من الأصوات يمتزج بالهوادج التي تئن وتصر على ظهور الجمال التي تظهر من تحت ظلالها الأمهات السعيدات يداعبن أطفالهن . إنه ربيع السنة عندما تنبض الطبيعة بالحياة . فالنساء يدلن الأطفال في الخيام وفي الظلال بين الحيوانات الحبلى أيضاً بالصغار , وفي الشجيرات الصغيرة وأعشاب الجمال يمكن أن يسمع المرء زقزقة صغار طيور الصحراء وصغار الحباري . والصحراء القديمة الذابلة جددت نفسها بأعجوبة وأصبحت جميلة من جديد مع تفتح الصبا . وقبلات المطر والشمس تداعب عشرات الآلاف من الورود . وغمر التلال والوديان ضباب شفاف من الفضة والخضرة , وتألق اخضرار المراعي التي تناثرت فيها الورود في الانهدامات العريضة فبدت أعمق وأغني . والنسمات الربيعية النعامة العابقة بالمطر هبت خفيفة فوق الأرض الفاتنة , وكانت عيون الرعاة برّاقة بالإمتنان , وعلى الرغم من ذلك فإن النساء - صباحاً بعد صباح - يسحبن أعمدة الخيام من تحت السقوف المثناة ويطوين الخيام الشعرية ويضعنها على الجمال القوية . وتبرز إحدى الذكريات من تلك الأيام التي تتحرك فيها الشمس شمالاً وتتحرك معها القبيلة وهي الأيام التي ذهب فيها فارس يومياً تقريباً لزيارة خطيبته . في صباح أحد تلك الأيام قال لي فارس : « دعنا نذهب للصيد » وطلب من « مناحي » ان يناوله بندقية الصيد الآليه التي كنت قد أعطيتها له كتذكار . واتجهنا نحو فرسينا اللتين وقفتا بصبر بين الصفوف , فأرخينا رسنيهما وأمتطيناهما ثم أتجهنا نحو السهل . وعندما أجتزنا قمة إحدى الهضاب رأينا عن بعد قطيعاً من الغزلان يتجه نحونا بسرعة , وكان القطيع يغيب عن بصرنا من آن لآخر , وعندما أقتربت منا رأينا أنها تهرب من بدوي يطاردها فوق فرس أسمر , كان البدوي بكل وضوح يبغى عزل ظبي أبيض - الزعيم - عن القطيع . ومرة تلو الآخر وجد الظبي ملجأ له بالأندساس بين الغزلاء المندفعه , ولكن الفرس السمراء كانت سريعة ومدربة والفارس ماهراً . وقد تفرق القطيع وتشرذم عدة مرات أما الفارس فكان يقترب من طريدته . وهي النهاية أطلق النار على قرب وتعثر الظبي عدة مرات ثم توقف عن الحركة . وعندما أقتبرنا من الصياد الذي كان يذبح طريدته لاحظنا بدهشة شديدة أن الصياد ليس رجلاً على الأطلاق . فصاح فارس : « بديني إنها فتاة » وحثثنا فرسينا على الجري وكنت الأول الذي يلاقي الصيادة , نهضت وسكينها الملطخة بدماء الظبي في يدها , ورعت بيدها الأخرى لثامها حتى عينينها لتخفي ملامحها . ولكني كنت قد عرفتها . فصرخت بسرور : « تويما » , وللحظة لم تظهر سوى عينيها الضاحكتين , ثم تركت لثامها يسقط عن وجهها ومدت يدها إليّ فسحبتها نحوي وقبلتها على جبهتها . وتظاهر فارس - الذي لايزال على ظهر فرسه - بالدهشه وصاح برياء تام : « هل تعرف هذه الصبية ياعزيز ! » وجاريته في هزله فهززت رأسي وقلت « لا . ولكنها تبدو مألوفة أو تشبه فتاة أعرفها » . ولكن نزق الحب قضى على هذه المسرحية الصغيرة , ترجل فارس عن فرسه وعانق تويما وبدأ يثرثر وليعبر عن فرحته للقائها على غير ميعاد , ثم أخذ إحدى يديها ووضعها في يدي قائلاً : « هذه أختك ياعزيز لو لم تكن خطيبتي لكانت لك . أليس كذلك يا تويما ؟ » فأومأت بالأيجاب على أستيحاء . وعندما ساعدها فارس على ربط الظبي فوق مذيلة الفرس لاحظت بدهشة كبيرة أن الفرس لم تجفل من رائحة الدم , فقالت لي تويما إن فارس قد درَّبها . لقد ركب الفرس في إحدى الغزوات وأرسلها إلى والد تويما مؤخراً كهدية عريس . كانت الفرس محجّلة وقد سماها فارس « صباح » بسبب لونها - سمراء ذات غزّة بيضاء وقوائم أمامية بيضاء في أسفلها . وصهلت الفرس الجميلة برقة ووضعت جبهتها على كتف تويما . فقال فارس : « إنها تداعبك » وبعدة طعنات جدية وخبيرة من سكينها قطعت تويا الرأس والرقبة عن جسم الظبي وأهدت إليّ تذكار الصيد الدموي هذا . ثم التقطت بندقيتها كالشباب وامتطت ظهر الفرس بقفزة واحدة من الجانب وأنحناءة واحدة من جسمها , ورمقتنا بنظرة وداع خبيثة وابتعدت . وأمسك فارس بكتفي بقوة وصاح بنشوة « إنها خجولة كالظبي الصغير . هل يعقل ان توجد صبية أخرى بمثل جمالها ؟ » . وفي اليوم التالي أتى بي فارس لمرافقته لزيارة منزل تويما . وبعد أن تبادلنا عبارات المجاملة مع والدها سرحان ذهبنا إلى خيمة النساء حيث كانت تويما لوحدها لأن بقية النساء خرجن من الخيمة . ووضع فارس ذراعيه حول محبوبته قائلة : « يا نعامتي » ثم ألقت برأسها على كتفيه فأجابها : « يا نعامتي الصغيرة » . وحالاً ناولت تويما محبوبها أحد أرغفة الخبز اليدوية الملفوف كالزلابية , وفي داخلة حلويات صغيرة من صنع تويما ومن النوع التقليدي الذي تقدمه الفتاة البدوية المخطوبة إلى عريس المستقبل . وقسم فارس الرغيف بنا فيه إلى ثلاثة أقسام ووزعه بيني وبين تويما وبينه . شكرها بجدية ثم لاطف شعرها وقال : « مقابل هذا سأجمع لك باقة من الورد الذي لن يذبل . وسأحضرها لك أيضاً زوجاً من الخلاخيل الفضية » , ضحكت تويما وقالت : « أزهار برارينا ليست أكبر من قمة غضبي وأنت تعدني بجمع باقة ورد منها ؟ وأين ستجد الخلاخيل وليس هناك صائغ ؟ » . فأصر قائلاً : « في الحقيقة يافتاتي الجميلة , ياسيدتي , سأقطف لك باقة من الورود النادرة لتتزينين بها لساعات أفراحنا في الهضاب » . ولما كانت غير مصدقة سخرت منه عابثة برأسه بسرور حتى انتزعت عقاله وكوفيته ثم صاحت : « لكم أنت مهمل » إذ سقطت ست جديلات شعثاء فوق كتفيه فجذبته نحوها ووضعت رأسه في حضنها . ثم بدأت تعيد ضفر خصل شعره بطريقة صحيحة , وأخرجت من طرف شالها حفنة من روث الغزال الجاف مثل براعم الكبر الخضراء الداكنة الصغيرة . وانتشرت منها رائحة الزعتر والبابونج عندما سحقت الكرات بين راحتيها ودلكت المسحوق - مثل المسحوق العطري على جدائل الشعر . بقي فارس ساكناً بدون كلام . وأخيراً أتمت عملها وأعاد فارس كوفيته وعقاله إلى رأسه ثم أعلن قائلاً : « الآن جاء دور عزيز » . وسواء رضيت أم لم أرضِّ كان علي أن أضع رأسي في حضن تويما وأن أسمح لها - بمساعدة فارس - أن تضفر شعر رأسي وأن تدلكه بعطرها الغريب , ياله من منظر ! إني نادم دائماً على أنني لم أتصور عندئذ . على كل حال فرح فارس وتويما بهذا العمل لدرجة جعلت الناس من الخيام المجاورة يجرون إلى الخيمة ويضحكون على عزيز رضوان . وعندما كنا عائدين على مهل إلى مضاربنا في تلك الليلة سمعنا وقع حوافر بعيدة خلفنا . وبدأ الصوت يرتفع فوصل فوج من الفرسان - نحو أثني عشر بدوياً على جياد سريعة . وفي ضوء القمر رأينا ضفائرهم وكوفياتهم تتراقص وعباءاتهم تتطاير في الهواء . وما إن مرو بجوارنا حتى تجاوزونا ملوحين ببنادقهم ومحيين كلاً منا بأسمه بأصوات عالية . حثثنا خيولنا وأسرعنا خلفهم إلى خيمة الزعيم . *** .. الرجاء حفظ حقوق النشر .. .. اخوكم / طارق الرويلي .. |
|
| | #10 |
|
: الادارة : | « قائد رحلنا » عندما شددنا الأعنة كان العبيد قد أضرموا ناراً هائلة إشارة لجمع فرسان القبيلة . قيل إن حملة غزو كبيرة من البشري ( قبائل العنزة الثلاثة المتحالفة : فدان - سبا - أمارات ) تتقدم نحونا . وقيل إن عددهم خمس مئة راكب جمل وبضع مئات من خيول العرب . ربما كانت الأعداد مبالغاً فيها . في تلك الليلة اتخذ الأمير فواز كل الترتيبات وعُيِّن فارس قائداً للحملة . وقبل أول خيط من خيوط الفجر كان فارس بجانب فراشي ومسعته يقول ضاحكاً « إنهض إذا كنت تريد الركوب معنا » . قفزت واقفاً وبدأت بالاستعداد للمسير . ناولني فارس قربة مليئة بالماء , وكتلة من التمر , وبضع كرات من الجبن البدوي القاسي بحجم قبضة اليد . وكدسة من الخبز الطازج , وبمساعدة مناحي - الذي عيّن مرافقاً لي وضعت كل شيء في خرج ذلولي , وأسرجت سدحا فرس الحرب البيضاء وربطتها من رسنها إلى حزام الذلول , وعندما بدأ السير كان الظلام سائداً إذ إن القمر قد غاب . كان الليل هادئاً وأصوات الفرسان الذين يغنون أثناء السير لم يرجع لها صدى بل عبرت الصحراء كموجة صوتية : خفيفه , سحريـه , جميلة . وبدت في الظلام خيالات الجمال . وبين الفينة والأخرى كنت أسمع صوت النعال الخفيف , أو صرير السروج , وهكذا - كفرسان من عالم آخر - تابعنا مسيرتنا الصامتة بين التلال وحتى طلع الفجر علينا وأشرقت الشمس . وقد زينت رقاب وجوانب جمالنا بالحمائل الفضية الدقيقة والأحزمة المضفورة والأرسنة الملونة المزخرفة بالخرز الأزرق والأحمر . وبجانب الجمال هرولت الجياد برقاب مقوسة قليلاً , وظهور ناعمة مشدودة , وذيول عالية , تربطها إلى جمال القطعة العليا الزاهية اللون من تجهيزات رؤوسها ; لأن البدو في الجزيرة العربية - بعكس البدو الأفارقة - لا يستعملون الشكيمة ولا اللجام . ومرشمة السرج الرقيقة تصنع من جلود النمر أو الغزال ويربطها الحزام الجلدي الضيق . وربض الركاب المرافقون خلف رفاقهم على سنام الجمال العالية وبنادقهم جاهزة كقطط برية بأعين براقة وعضلات متوترة . وتماوجت فوق أكتافهم أطراف كوفياتهم التي لفوّها حول رؤوسهم ورقابهم . وفي الظهيرة كان فارس يركب في مقدمتنا بين حراسه السود فأعطى الإرشادة بتبادل الركوب . و كان قد رأى سحابة غبار سببتها على ما يبدو سيارتان تقتربان بسرعة . وفي لمح البصر رمى سبعة وستون رجلاً قوياً أنفسهم - وبنادقهم في أيديهم - من ظهور الجمال إلى ظهور الجياد وسحبوا الأرسنة من أحزمة الجمـال . ثم غرسوا أكعابهم العارية في جوانب خيولهم وأنطلقوا إلى الأمـام , وضاعوا في سحابة من الغبار تاركين فرسان الجمال خلفهم الذين لا يسمعون سـوى الصيحات الحماسية وصهيل الخيول وطرقات حوافرها . أنطلاقة الخيول الجنونية جعلت فرسي « سـادها » متحفزة فسحبت رسنها وأفهمتني بأنها تريد المشاركة أيضاً . تناولت بندقيتي الموزر وقفزت من ظهر ذلولي إلـى ظهرهـا . وأستجابت بصهلة لضغط ساقيّ , وأنطلقت وراء الآخرين كالغزال عندما ناديـت أســمها ووجهي تقريباً يلامس شعر رقبتها . واقتربت أكثر فأكثر من العصبة الهادرة أمــامي وسرعان ما تجاوزت المؤخرة ولحقت بفارس وحرسه . وظهرت الآن السيارتان فوق تلة وأدركنـا على الفور أنهمـا سيارتان الرولة الحربيتان فوقفنا جميعاً وأنتظرنا وصولهما . وثبت أنهما تحملان الأمير فواز نفسه يرافقه محجم وعدة رجال آخرين . لقد قبضوا في جوار المضارب على كشاف من بني صهر فرفض الإجابه عن الإسئله . ومنع الأمير رجاله من أنتزاع المعلومات منه بالتعذيب . ومنذ ظهور الجاسوس في تلك المنطقة وجد الأمير الشاب من المنطقي الأستنتاج بأن قبيلة بني صخر قد حملت السلاح ضد الرولة المهددة من الجهة الأخرى من البشري أيضاً . ولذلـك قسم قواتنـا : ثلـث القوات الآن بقيادة محجم تبقى لمواجهة البشري , والثلث الآخر بقيادة فارس ينحرف إلى الجنوب الشرقي ضد بني صخر . وبالطبع وضعت نفسي تحت إمرة فارس . وقبل أفتراقنا عن الآخرين أشتريت ناقة سباق رائعه عمرها ست سنوات كان صاحبها الرولي قد غنمها من الشرارات , وهي ذلول غبراء لها رأس أسد وعينا غزال واسعتان . لقد هِمْتُ بحب هذا الحيوان الرائع من النظرة الأولى . كانت موضع اعتزاز صاحبها وكلفتني أكثر مما حملت بدفعه شراء ناقة سباق - 65 جنيهاً استرلينياً - ولكنها كانت تستحق هذا المبلغ . وأجمل شيء فيها وما سحرني أكثر من أي شيء آخر هو الخط المثالي الطويل للظهر , وخط المعدة المرتفع من عظم الصدر حتى الفخذين الخلفيين . وهذا البنيه السباقيه منحتها حرية للخطوات الرائعه : متناسقة وخفيفة - سلسة وواسعة . كانت سريعة ولا تعرف الكلل سواء في العدو أو في الخبب كما برهنت على ذلك يوم اشتريتها . إنها لمعتة عظيمة أن يُتاحَ المرء ركوب الحيوان الأصيل . حقاً إن شرائي لها كان صفقة موفقة . إنها نحيلة ولكن لها قدرة احتمال غريبه على الرغم من أنها كانت مثقلة في أغلب الأحيان , وعلى الرغم من حجمها وبنيتها الخفيفة وعظامها الصغيرة فإنها حملت أثقالاً عظيمة . ومن حيث الحيوية كانت تضاهي أكبر وأقوى جمال السباق . ودون أن تفقد أية ذرة من رشاقتها وجمال منظرها حملتني هذه الناقة الأصيلة لعدة أسابيع في تلك المسيرة الشاقة في المنفوذ والعودة إلى المضارب دون أن تفقد بشرتها المخملية لمعانها . وحتى نفسها الحلو كان أبهج من نفس أي حيوان آخر من جمال السباق التي خبرتها . كان فخذها ورقبتها وساقاها نحيلة وسنامها صغير ولكنه صلب , وصوتها رقيق حنون سواء في القرقرة أو النشيج . وكانت على العموم تخاطبني بواسطة عينيها الناطقتين , أو بدفعة رقيقة من أنفها على كتفي او ساقي . وكانت تحب كثيراً أن تحكّ جسمها عليّ وتلعب معي . وفي الليل أثناء أجترارها تكنكن وتلتوي بذكاء لتؤمن لي منامة مريحة بجانب جسمها الدافئ . كان شدادها المزركش المصنوع من خشب الأكاسيا المرصَّع بالفضة , والمساند الجلدية الثلاثة , وجلود الأغنام , لا يزال مستقراً فوق أرض غرفتي , وكثيراً ما أجلس عليه في المساء وأقرأ أو أحلم بمها الشرارية السريعة . وعلى جدران غرفتي برز كشات شدادها وخِرَجَتِها الشـَّعرية الكبيرة تتدلى حتى بطن مها , وتتأرجح بانسجام مع مشيتها . ولا أزال أحتفظ برشمتها أيضاً - تلك الرشمة الصوفية الجميلة الملونة بالأحمر والأزرق فوق خلفية سوداء . واتجهنا نحو الجنو ب يصيح بعضنا على بعض بسرور , ونغني أغاني الجمال . في الجزيرة العربية لا يحتاج المرء إلى مهماز أو كرباج لحثّ الخيول أو الجمال . فأغاني الراكبين الإيقاعية البهيجة , وحَوْرَبتهم المرحـــة , وأصواتهـم الرخيمة الصافية تكفي . فالصوت العربي يختلف تماماً عن النعيب الرتيب الناعس الأخن عند المصريين والسوريين , وأغاني الجمال ( الحداء ) البدوي أيضاً منغّم وجريء ومسترجل ; مما يجعل الجمال والخيول تحبُّ هذه التسلية . أثناء المسيرات يُغَنُّون ساعات وساعات - هؤلاء الراكبون النحاف الأشداء . ولكنهم غالباً ما يصمتون عندما يضنيهم الجوع والعطش والغبار , وعندما يكون من المناسب حماية الفم والأنف من الحرارة والرمال . *** الرجاء حفظ حقوق النشر اخوكم / طارق الرويلي |
|
![]() |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
↑ Grab this Headline Animator + ترجاك عيني ديزاين
![]() | ![]() |