![]() | ![]() |
| لوحة إعلانات المنتدى |
| |
.::||[ آخر المشاركات ]||::. |
الإهداءات | |
![]() | ![]() | ![]() |
| |||||||
![]() | ![]() | ![]() |
| رِوَاءُ التَارِيِخْ : [ لِلإِسْتِفَادَةِ وَالإِسْتِزَادِةِ مِن شَتّىَ الكُتبِ وَالمَرَاجِع الخَاصّة بِقبيلَة الرُولَه ] .. |
| مشاهدة نتائج الإستطلاع: - | |||
| - | | 0 | 0% |
| - | | 0 | 0% |
| المصوتون: 0. أنت لم تصوت في هذا الإستطلاع | |||
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| | #11 |
|
: الادارة : | موت في الصحراء أستمر فارس وعصبته في السير بمعنويات عالية . كانت السماء زرقاء والأرض مكسوة بالخضرة , والهواء معطراً ومنعشاً . وامتدت البرية إلى الأفق بلا أنقطاع . أحياناً يفقد المرء الإحساس بالتقدم . فهل كنا واقفين بلا حراك ؟ نسير في دائرة ؟ لأن المنظر لا يتغير . ومع ذلك فالمرء لا يكل منه ولا يشبع من هذه الحركة البهيجة . نرتفع ونهبط سيراً في السهوب والصحراء دون أن ندري . والتلال لاتكاد تتميز عن الوديان , سوى أن الوادي ما ازال يلمع قليلاً بعد الزّخّة الأخيرة التي تكسبه لمسة أنضر من الخضرة . سافرنا لمدة ثلاثة أيام لم نرَ فيها أية خيام أو قطعان . لا شيء سوى البرية الخالية تحت السماء الصافية وقد بدت البرية أحياناً زاهية كالحة بالحصى والأحجار والحمم البركانية . وفي اليوم الرابع , ومن طرف جرف شديد الأنحدار كما لو كان جرفاً بحرياً , رأينا فجأة أمام أعيننا وادي سرحان , في مكان عريض منه : خليط من الضفاف الحورية , ترتفع فوق صخور كلسية , وسهول حجرية ومستنقعات مالحة , وتلال رملية , وشجيرات رمادية وأحواض طينية عميقة الأخاديد , نتيجة عوامل الحت والتعرية . وفي مساء اليوم التالي وصلنا إلى ميكوع , وهو مورد قديم للرولة . كانت بضع مئات منهم ماتزال تحت الخيام هناك في ظل الهضاب الرمادية , فبتنا ليلتنا معهم . وطوال الليل استمروا في سقي قطعانهم من الآبار العميقة حيث سمعنا الصرير المستمر للبكرات الخشبية الصغيرة المعلقة على قوائم خشبية بدائية , وقد تدلى منها دلو كبير لغرف الماء من عمق يقارب ثمانين قدماً . وبعد مسيرة ساعات قليلة بعد ميكوع دخلنا نجد البسيطاء الواسعة وهي على الأرجح البقايا المنبسطة لاقدم سلسلة جبال في الجزيرة العربية , ولا تزال بضعة قمم صغيرة ( مغطاة بطبقة من الرمال ) تبرز عن السطح الذي يمتد لأكثر من ستين ميلاً . وهي أرض مستوية تماماً بدون ماء وبدون مرعى . ويبدو أن هذه القمم قد غطته بالحجارة السوداء . وفجأة تغير العالم البهيج ولم يبق حولنا سوى القفار . وعلى الرغم من أن البسيطاء بدت مقفرة ورهيبة لأول وهلة إلا أنّها بعد بضعة أيام من الأمان فيها علمتني كيف أحب هذه القفار بكل كآبتها البائسة . إذ خيّم عليها الأنعزال والسكينة كأنها كوكب مهجور . وبين الفينة والأخرى كانت تظهر أمامنا بعض الوعول أو النعام إلا أنها تهرب منا بمجرد أقترابنا منها . وقلما مررنا بشجيرة ترتفع حتى الركبة أو ورقة خضراء أو وردة . كما أننا لم نسمع تغريد أية طيور . حتى الأفاعي والسحالي تجنبت هذه القفار , وأحياناً في الصيف ( حسب كمية المطر ) ينمو في هذا النجد محصول غني غريب من السماح في البسيطاء , وهو نبات قصير الأوراق ينضج على أغصانه نوع من التوت الذي يحتوي على بذور بنية مائلة إلى الحمرة . ويحمّص البدو هذه البذور ويطحنونها للحصول على دقيق مرّ داكن , وإذا عُجن هذا الدقيق مع الزبدة والتمر أو غُلي بالماء يعطي نوعاً من الطعام يعرف بالثريد . وبعد تجديد مخزوننا من الماء من بئر الهاوسا تقدمنا نحو بير باير ثم إلى وادي سرحان الشمالي الشرقي وهو يمثل مراعي بني صخر الفعلية . وأستطلعنا - واحد بعد الآخر - المخيمات المتفرقة لعدونا المفترض , مرسلين بعد كل أستطلاع رسولين يحملان الرسائل التي تقول بأن تجمعّنا الرئيسي سيكون قرب أم وعل . وفي إحدى الليالي زحف فارس - قائد حملتنا كما سميناه - حتى أقترب من خيام بني صخر إلى حد جعله يسمع حديثهم . وبدت النتيجة الإجمالية لجهودنا هي الاستنتاج المريح القائل بأن بني صخر لا بد أنهم تخلّوا عن خططهم لغزو الرولة . ولكننا توخينا الحذر . وفي صباح أحد الأيام بينما كنا ننصب كميناً على الأرض المالحة تحت غطاء بعض الشجيرات ظهرت صفوف طويلة من الجمال في السهل وتفرقت لترعى . وخلف هذه الجمال أتت الجمال المحمّلة بعائلات بني صخر المهاجرة . وتمنينا أن يخيموا قبل حلول الظهر لنتأكد إذا كان فرسانهم كانو معهم أم لا . ولكن بعد حلول الظهر بوقت طويل أستطعنا أن نراهم من مسافات بعيدة يوقفون جمالهم . ورميت الخيام والأعمدة على الأرض , وبدأت النساء والأطفال والعبيد ينصبون خيامهم الجديدة بجد وحزم , ووصل بعد ذلك فرسانهم على خيولهم , ورجال يركبون الجمال وهم الحراس الذي يحمون جانحي المجموعة الراحلة . ونهضنا بدون ضجيج مغادرين مخبأنا , وجرينا بخطوات واسعة خلف ناقة فارس الحبلى التي كانت ضجرة طوال النهار , وفجأة رفضت التقدم وناخت . كان هذا نذير خطر علينا لأن المستطلعين دائماً يتجولون بجوار الخيام البدوية . وبالإضافة إلى ذلك فليس هناك مكان أفضل للعدو ليفاجئنا بكمين , إذ الصخور الكلسية بيضاء تحاصرنا من أحد الجوانب , بينما في الجوانب الأخرى ركام حجارة سوداء لامعة , وركام ترابي مغطى بالشجيرات . وساعد عدد منا فارس على نزع عُدة ناقته , لأنه اتضح أنها على وشك الولادة , ولذلك أضطجعت على جانبها . ونظر فارس إلينا خجلاً وكأنه يتوقع اللوم . ولكننا جميعاً ضحكنا على هذه البلّية . ولم تصدر أية كلمة نابيه أو لعنه أو لوم للناقة البريئة بل ساد ذلك الهدوء والإتزان البدوي الذي أُعجَبُ به . وبقي فارس يلاطف ذلوله المحبب برقة , وعندما حلت اللحظة المناسبة أمسكت برأس الناقة , وقام فارس وأحد عبيدة بتوليدها . كان الوليد بطول الرجل . في البداية فكرت أنه وُلِدَ ميتاً , ولكن بعد أن لعقته أمه لبعض الوقت بدت عليه علائم الحياة . وفي تلك الليلة أستطاع الجمل الوليد الوقوف على قوائمه , وسمحت له والدته بالرضاعة , ولكن في الصباح أبعد عنها وقتل . وناحت الأم المسكينة وأنتحبت بصوت عال على وليدها كُمّ وكتف عباءته وهذا ماهدّأ الأم . وبعد الظهر - قبل ركوبنا ثانية - سمحت الناقة بحلبها . كانت تنشج من وقت لآخر ولكنها تهدأ فوراً عندما يمد فارس يده أو يضغط بكتفه على خياشيمها . وأخيراً - تقدمنا حوالي الظهر وأمامنا رجال أستطلاعنا . ورأينا النسور تحوم خلف أحد الجروف - وعند سفح الجرف البعيد وجدنا أرضاً ممهدة بالأقدام وجثة بدوي وجمله . كان الرجل قد جُرّد تماماً . ولم نحد أي قطعة من الملابس أو الشداد أو العّدة لتدلنا على المكان الذي قدم منه أو القبيلة التي ينتنمي إليها . وفي تلك اللحظة عاد أحد رجال أستطلاعنا ليقول أن جمال بني صخر ترعى على مسافة قريبة منا ومعها الرعيان والحراس . وفجأة لمحنا عدداً من الرجال فوق أحد المرتفعات مختبئين خلف الشجيرات , كما رأينا لمعان بنادقهم مصوباً نحونا , فصاحوا بأتجاهنا : « أنتم هناك . ياراكبي الجمال » . ورد فارس : « أصدقاء » . ولكن ما أن توقفنا حتى لعلعت الطلقات فوق رؤوسنا . وضحك فارس ثم صاح : « بنو صخر ! وهنا يقف الرولي فارس بن نايف . سلام . سلام عليكم » . ولكن الرجال لم يثقوا بنا , إذ لابد أنه بدا لهم من المريب أن يظهر غزوة من الرولة في مثل هذه المنطقة البعيدة , فلم يردوا تحيتنا , وبدلاً من ذلك صدرت صرخات من حولنا « اقتلوهم ! اقتلوهم » . وبدا أن أعداداً جديدة أخذت بالظهور من تحت الأرض , إذ من المؤكد أنهم تركوا خيولهم بعيداً عن المكان وزحفوا إليه تحت الحماية . وفي النهاية - عندما بدت صرخاتهم للقتل نذير للشؤم , ولعلع رصاصهم عدة مرات , وبينما كنا نحاول إفهامهم في هذا الظرف القاسي - خرج رجل من مخبئه وصاح « فارس بن نايف » . ونزل قائدنا من ظهر ذلوله وصاح بسرور : « جراد بن جنيب » إنه أحد شيوخ بني صخر وأحد أصدقاء فارس القدامى . وفي لحظة من الزمن خرج بنو صخر من مخابئهم والتفوا حولنا , وأمطرونا بوابل أسئلتهم عندما قادونا إلى مخيمهم الواقع على مسيرة بضع ساعات . وفي الطريق حدثم فارس حول أسر أحد رجال أستطلاعاتهم ورحلتنا السليمة إلى مراعيهم للاستقصاء , واعترض ابن جنيب مراراً وتكراراً بأن بني صخر كانو في « سلام لا تشوبه شائبة » . مع الرولة , وان الجاسوس الأسير إنما هو قاطع طريد من القبيلة . أراد نهب الرولة لحسابه الخاص . وعندما ترجلنا في ديار ابن جنيب ذبح لنا جملاً أما أعيننا , ووضع أحد العبيد دمه في إناء , ثم أمتشق حفنة من الأعشاب وغمسها في الدم , ورسم بها الشعار القبلي على رقاب وجوانب رواحلنا . كان القصد من ذلك ضمان نوايانا السلمية , وضمانة لنا بين بقية بني صخر . كانت فصيلة منهم لاتزالد تطارد البدو من منطقة الحمم الشمالية الغربية الذين دخلوا وادي سرحان وهاجموا - في اليوم السابق - رعاة بني صخر الذين كانوا يرعون جمالهم . وخسر الغزاة قتيلاً واحداً - وهو القتيل الذي وجدنا جثته - وجرح أثنان من بني صخر . زرت هذين الجريحين فوجدت أحدهما مصاباً بجرحين خطيرين في صدره وفي بطنه وهو على وشك الموت . بذلت أقصى جهدي لأنقاذه - إذ أصطحبت معي حقيبة معداتي الجراحية والمورفين والضمادات - ولكن بعد فوات الأوان . وكل ما استطعت القيام به هو تسهيل ساعات الأخيرة بتخفيف آلامه . ولم يكن الرجل قد جاوز الأربعين من العمر . حمله أصدقاؤه إلى خيمة أبن جنيب القريبة ومددوه هناك . وبعدئذ قاد أحد العبيد راحلة جميلة إلى المكان . ومن المؤثر أن الحيوان الذكي شعر بقرب موت راكبه فداعبه مراراً , ودار حوله بعينين قلقتين واسعتين ملامساً الرجال الغرباء بشفتيه المشقوقتين وخياشيمه الحريرية الناعمة . كان الرجل يتحدث مع زعيمه ابن جنيب عندما أغمي عليه نتجية النزيف الحاد . وعندما أستفاق همس ببعض الكلمات إلى أحد العبيد . وقبل أن أدرك ما حدث لوى العبد رأس الجمل وذبحه بطعنة سريعة من خنجرة في الوريد الوداجي . في الحال سلخ العبيد الآخرون الحيوان وفرشوا جلده أمام الخيمة ووجهها الوبري على الأرض . وبعد ذلك خلعوا ملابس الرجل الجريح ووضعوه على الجلد . كانت أمنيته الأخيرة أن يدفن في جلد ذلوله العزيز . وقد أسعدته إمكانية تحقيق أمنيته وهو على فراش الموت . ولكني لست الوحيد الذي أسف لموت هذا الحيوان الرائع دون جدوى . وعندما لفظ الرجل أنفاسه الأخيرة في المساء قام أربعة حرس من أصدقائه ولمسوا - الواحد بعد الآخر - جبهته برؤوس أصابعهم . ركع ابن جنيب بجانب الميت ووضع يده على إبطه الأيسر وبعد فترة قال : « حقاً إنه بارد » . نهض أبن جنيب مسرعاً ولفّ الجلد المبلل فوق الجثة وطلب من عبيده أن يحفروا له قبراً في الرمال . وبدون أية طقوس أو أية أنفعالات حملت الجثة ودفنت تحت التراب . وبعد مفارقة بني صخر أتجهنا - في طريق العودة - ببطء نحو منطقة بير هاوسا التي يكثر فيها الصيد . وعند الآبار قابلنا رجالاً يسقون قطيعاً من الجمال إنهم من الشرارات أصدقاء الرولة , وقد ساعدونا على سحب الماء من الآبار التي يبلغ عمقها خمسين قدماً . وفي المساء انسحبنا وإياهم إلى التلال القريبة وخيمنا في واد صخري بعد وضع الحراس فوق القمم السوداء . وتلألأت النجوم علينا ونحن نتناول عشاءنا المؤلف من لحم جمل صغير طري مشوي وخبز القصم وحليب النوق الطازج المتبوع بالحلويات المعتادة من التمر الممزوج بالسمن . ولم ننم نحن الرولة قبل منتصف الليل - كل رجل رأسه بندقيته الملقّمه - لأننا لم نثق تماماً بالشرارات على الرغم من أننا أكلنا وشربنا معاً وعلى الرغم من أنهم يعيشون تحت رعاية نوري الشعلان . ولكن أنقضى الليل بسلام . وفي الصباح ودّعنا مضيفنا بعد أن تبادلنا بعض الهدايا البسيطة . *** *** الرجاء من الأخوان حفظ حقوق النشر اخوكم |
|
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 12-09-2006 الساعة 04:18 PM |
| | #12 |
|
: الادارة : |
النمر و النعامة قضينا بضعة أيام بين النجود البركانية في جبل طبيق , حيث ترتفع الصخور الشديدة الأنحدار والصخور القممية والمتشققة إلى مقدار ستمئة قدم فوق مستوى المراعي المفروشة بالورود والوديان , المغطاة بالجلاميد البركانية السوداء , إنها منطقة ذات جمال وحشي تكثر فيها الغزلان وطيور الصيد . وحدث هناك أن وجدنا - انا وفارس أثناء مطاردة فريسة - ثلاث خيام منصوبة في أحد الأغوار . إنها تخص تلك المجموعة الغريبة الصلبان ؟ ( المفرد : صليب ) وهم قناصة وحرفيون بدو . وفي العرف العام فإنهم يشبهون الغجر بَصّارون يطببون الإنسان والحيوان يحبون الموسيقى ولديهم ميل للأمور الغامضة والخرافية . الصلبان يبزون البدو الآخرين في الصيد , واقتفاء الأثر والاستطلاع , ويعرفون الصحراء أفضل من البدو الرحل الآخرين , إذ إنهم يعرفون دون سواهم كثيراً من الآبار المنعزلة . أصلهم لغز وعددهم قليل , ولكنهم يتكتلون في تنظيم عشائري بقيادة زعيم لهم , ويدفعون الأتاوة للرولة والقبائل البدوية الأخرى . وبالمقابل تعيّن هذه القبائل من بين أفرادها « أخـاً » للصلبان مهمته حماية مصالحهم . وفي تلك الفترة كان زعيم الصلبان رالب ولد تولهان . وثبت أن هذا المخيم الذي أكتشفناه يخص هذا الرجل . كان رالب بصحبة زوجته وأولاده وأخويه وعائلتيهما في طريق إلى الرولة في الشمال ( إذ ان ما بين / 500 - 600 / ميل لاعني شيئاً لهؤلاء الناس ) ليعمل مع « أخيه » هناك على أستعادة ثلاثين جملاً صليبياً أغتصبتها - كما قال - عصابة رولية مجهولة . إحدى خيام هؤلاء الغجر البدو صنعت من جلود الغزلان المخيطة , وبدلاً من الأوتاد أتعملوا قرون بقر الوحش . لاحظت أن هؤلاء القوم ليست لديهم أوان ٍ مصنوعة من الخشب , إذ أن كل ما رأيته مصنوع من الجلد . فبدلاً من السجاد والوسائد استعملوا جلود الحمير والنعامات والنمور وبقر الوحش , كما أن ملابسهم أيضاً - بإستثناء العباءات - مصنوعة من جلود الحيوانات المدبوغة وغير المدبوغة . واقترح فارس على رالب أن يكون دليلنا إلى النفود , ووعده بأن يأخذ على عاتقه مسألة الجمال , ويجمعها حالما يعود إلى القبيلــه , وفي نفس الوقت تتجه عائلة رالب شمالاً بدونه . قبل رالب هذا العرض وبعد ذلك بوقت قصير غادرنا جبل طبيق المقفر . وتبعنا قيادة رالب لعدة أيام هادئة حتى وصلنا أحد الوديان , فأشار رالب إلى آثار نمر . تركنا جمالنا تحت الحراسة وتبعنا الأثر على ظهر جيادنا لبعض الوقت . وعندما قبعت خيولنا فجأة عبر خياشيم مفتوحة حتى آخرها لأنها شمّت رائحة الطريدة . نزلنا عن الجياد وزحنا بحذر نحو أحد الجروف التي أفترض رالب أن النمر يختبئ عندها . حقاً كان النمر هناك , ولكن آثاره أستمرت بعد ذلك : تأكد الصليبي أن النمر أصطاد غزالاً في ذلك المكان وسحبه بعيداً . إذن لابد أن يكون النمر الكبير قريباً , وعلينا أن نضاعف الحذر . تفرقنا في الوادي وتقدمنا فرادى . وحالاً رأيت - على مسافة أقل من خمسين خطوة - بجانب صفة ناتئة تلمع فوق الشمس نمرين صغيرين يلعبان وحولهما بقايا وجبة الطعام الأخيرة : متكسرة وقطع متناثرة من جلد غزال . كما أنني رأيت الأم ممددة في الظل ولا يظهر منها سوى جزء من الظهر والذيل . وأشتر إلى فارس وماناحي وراقبنا المشهد النادر لفترة من الوقت . بحثنا بأنظارنا عن رالب ولكن عبثاً . وبالطبع لم يكن بإمكاننا الصراخ . رفع فارس بندقيته وأفهمني بالإشارة أنه ينوي التصويب على الأم فلربما يمكن الأستيلاء على الصغيرين حيَّيْن . وفجأة أنطلقت رصاصتان من الجانب الآخر وأمتزج صداهما في الوادي , وبذلك أنتهت لعبة اللصين الصغيرين إذا ارتميا على الحصا يرتجفان . واستيقظت الأم من نومها فقفزت فجأة ورمت بنفسها فوق صغيريها , وأمسكت بأحداهما بين أسنانها وحاولت الهروب . لكن مناحي الذي كان يراقب بهدوء أطلق النار . قامت النمره الكبيرة بقفزة بهلوانية وارتمت بلا حراك . وتدحرجت الحجارة والرمال من الضفة فلم يتحرك الحيوان , فبدا من كل الدلائل أن النمرة قد ماتت . عندها صخرنا فظهر رالب معتذراً لإطلاقه النار على الصغيرين لأنه لم يستطع رؤية الأم من مكانه . استقرت الرصاصة القاتلة في زور النمرة . صاح رالب « يابنت الرهيبة » حقاً إنها قطعة هائلة . كانت أكفها الصغيرة القوية مزودة بمخالب بطول إصبع الأنسان . ولا بد أنها مزّقت وريد الوداجي من الغزلان والوعول , وقصمت ظهر الكثير من الماعز . وغرز الصليب سكينة الطويلة في جسم النكر , ثم سحبها عبر الزور والأكعاب , وقطع الرأس والأكف ورماها عند قدمي كتذكار . ثم فتح معدتها وصدرها وأنتزع القلب . وكأي حيوان وحشي غرز أسنانه في لحمها الدامي وأمتص ملء فمه من دمها معتقداً أن هذه الجرعة الفعالة تضيف شيئاً إلى جسارته وقوته . واثناء مسيرنا أكتشف رالب آثار أقدام كبيرة - زوجين من أصابع القدم - « للحيوان الذي ليس له أذنان » كما يسمي البدو النعامة . وتبعنا الأثر الواضح حتى أستطعنا رؤية الطائر من بعيد بواسطة المناظر وهو يأكل . تقدمنا بحذر , مما جعلنا نقضي ثلاث ساعات في قطع ميلين أو نحو ذلك , ثم أنتظرنا بينما كانت النعامة تتمتع بحمَّام شمسي . وفي الحال ظعرت نعامة أخرى من الأرض المجاورة لم نكن نراها من قبل , وأنضمت إلى النعامة المستحمَّة وهي إشارة واضحة إلى أنهما يحضنان صغارهما وأن العش قريب جداً . أثناء حرارة الظهر أستراح الطيران , ثم عادا إلى الأكل في المساء وقد أختفيا عن ناظرنا عدة مرات , ولكن رالب أكد من خبرته السابقة أن العش قريب من تلك البقعة التي ظهرت منها النعامة الثانية . وقبل غياب الشمس عاد الطيران إلى نفس المكان . وتقدمنا - فارس ومناحي وأنا - بحذر متتبعين حرفياً تعليمات رالب الذي بقي مع الخيول . وزحفنا نحو الطيرين الراقدين حتى مسافة خمسين خطوة وأختبأنا . ونظراً لذهاب الوهج بعد غياب الشمس استطعت بسهولة أن اميّز الذكر من الأنثى . وفضحتُ نفسي بحركة خفيفة , وفي الحال نهضت النعامتان وركضتا بجنون وهما ترفرفان بجناحيهما . ثم هربت الأنثى مع سبعة من صغارها وتبعها الذكر للحماية . ولكن الصغار ركضت في كل أتجاه وأستطاع فارس إمساك ثلاثة وربطها بأحزمة جلدية . وأتى رالب مع الخيول حذرنا من مطاردة النعامتين لانهما - في حال الهروب - لايمكن أن يلحق بهما ولا أسرع الخيول , ولكن إذا لم تزعجهما فسيجريان في دوائر ثم يعودان إلى صغارهما . وأهتم فارس بأصطياد الذكر فطارده . ولكن الذكر بقي في المؤخرة حارساً , وتلفت مراراً إلى الخلف أثنا جريه وهو يحرك بجناحية , وعندما رأى الفرسان يطاردونه ترك عائلته واندفع باتجاه مستقيم تارة وباتجاهات متكسرة تارة أخرى . وانضم رالب ومناحي وأنا إلى المطاردة , وخلال نصف ساعة اقتربنا لدرجة جعلنا النعامة تجري باتجاه فارس الذي رمى نفسه عن ظهر حصانه السريع , الذي جرى لبعض الوقت قبل ان يتوقف . وركع فارس وصوّب ثم أطلق النار مرتين . وبعد أن أنطلقت الرصاصة سقط الطائر وتمدد على جانبه وهو يرفرف بجناحيه . نهض فارس ورمى بندقيته وعباءته ثم ركض نحو الطائر الذي يعاني من سكرات الموت . أخرج سكينة من نطاقه وغرسها في رقبة الطائر قرب عظام الصدر . ثم حنى الجناحين الثقيلين إلى الخلف وأنتزع الريش الأبيض الذي يبلغ طوله قدماً واحداً . واعتبر رالب الفريسة ثمينة . فسلخ الطائر بخنجره وفتحه واخرج أفضل أعضاء الصدر بعينه الخبيرة , وبعد الشوي كان طعم اللحم الطري يشبه لحم الحباري . أما بالنسبة لي فأن الكبد والقلب كانا أفضل , ووجدت أن القلب صغير جداً بالنسبة لجسم هذا الطائر الكبير . أثناء مطاردتنا لذكر النعام لاحظت أن الأنثى عادت بعد دورة كبيرة إلى مكان العش , وأن الصغار أستجابت لنداء الأم فخرجت من مخبئها ورضعت نفسها تحت رعاية الأم . ولكن الصغار الثلاثة التي أمسك بها فارس وربطها لم تستطع الأفلات , وعبثاً حاولنا أن نجدها . وعندما يئسنا تقريباً وجدناها مختبئة في الرمال وساكنة كالفئران , فأخذها فارس ووضعها في خرج جمله . وأثناء الرحلة الطويلة كان فارس يطعمها البراعم والأغصان الطريّة وخصوصاً اليرقات . كانت النعاماتا متوحشة وخجولة في البداية ولكن أخضعها منذ اليوم اليوم الثاني . وقبل بضعة أسابيع بدأت بكل أطمئنان تأكل من أيدينا . *** الرجاء من الأخوان حفظ حقوق النشر اخوكم |
|
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 12-09-2006 الساعة 04:16 PM |
| | #13 |
|
: الادارة : | النفود وقع نظري لأول مرة على النفود في جوار شداد أم كر . وياله من منظر ! أمواج الصحراء الحمراء تعلو وتهبط بانتظام وتمتد إلى مالا نهاية . والقمم التي تأخذ شكل الهلال والمخروطات المنحرفة تبدي تناقضاً بين النور والظل . مستويات حمراء داكنة ترتفع حتى الضفاف على الجوانب تلتهب تحت أشعة الشمس . وبين الجدران في الممرات الحمراء التي يبلغ عمقها 60 - 160 قدماً وميض من الفضة والخضرة . الشجيرات والأشجار الصغيرة المتناثرة ذات السيقان البيضاء الحيبية , والأغصان الطرية المتدلية التي تحمل الغصينات الريشية والإبر الخضراء الرمادية . حبست أنفاسي مغموراً بالدهشة والإعجاب . وبخطا صامتى تقدمت مها إلى أول شجرة ومدة رقبتها النحيلة , وقضمت برفق الغصينات الصغيرة الصفراء والإبر الخضراء الجديدة لنبات الغادة ( الطرفاء ) التي توجد على امتداد الكثبان الرملية , وهي هبة ونعمة للإنسان والحيوان . وتتغلغل جذورها في عمق الرمال الحمراء الكوارتزية الصافية لأنها تزدري أتربة الصحراء الأخرى . لقد خبرت مها النفود وتنقلت فوق المنحدرات الشاقة التي أدت - كالبحر المتلاطم الأمواج - من الحوض إلى القمة وعبر الفجوات العميقة إلى المنحدر التالي . من المستحيل أن يسير المرء في خط مستقيم كما يفعل في الحماد والحرّة ( اللجاة ) , وتابعنا عبر لوالب وانحرافات غير متناهية فوق التلال ووسط الوديان . وبين الفينة والأخرى مرّت الطريق سهل منبسط صغير , ولكنه دائماً يؤدي إلأى كثبان كبيرة على جانبها الآخر دائماً حفرة أو فوهة بركان , وهي تَشَكُّلٌ غريب مختلف تماماً عن الكثبان الرملية التي عرفتها في شمال الصحراء الكبرى . وأحياناً يمخدع المرء بامتداد من الأرض الصلبة , فيحاول الجري عبر ضفة رملية منخفضة , ولكنَّ مها كانت أكثر خبرة بهذه الكثبان الغادرة ولا تسرع أبداً . كانت تلك التموجات الرملية ذات الأطراف الرملية ذات الأطراف المتدرجة خطرة جداً على الرغم ممَّا تبديه من أمن وأستقرار , إذ غالباً ما يتبعها انحدار شديد إلى القاع في الجانب الآخر . وكنا نقضي أحياناً أكثر من نصف ساعة لنعبر بين كثيب رملي وآخر . واجهت مجموعتنا الصغيرة من راكبي الجمال الصعوبة في البقاء مجتمعة . ولكن ربما كانت الجمال أكثر قدرة منا على البقاء مجتمعة . وقد عهد فارس بي كلية إلى قيادة مها إذ كانت تقضي عدة شهور في كل عام في النفود وعرفت بالغريزة ( كما بدا لي ) كيف تعرف مسبقاً أماكن الخطر . ستبقى هذه المسيرة في النفود معي ذكرى لا تنمحي , وخصوصاً بعد ظهر ذلك اليوم عندما رأيت ملامحها الحمراء ترتفع مهددة بالخطر فوق الرمال المنبسطة . هذه الأفتتان خلال الأيام الأولى جعلني أتلهف لقطع كامل الصحراء الحمراء على الرغم من إدراكي بأن مثل هذه العبور سيكون مرهقاً حقاً . من موقعنا على الطرف الغربي للنفود كانت المسافة حوالي ثلاث مئة ميل إلى الطرف الشرقي , وإذا كان سأستطاعة جمالنا السير ثلاثة أميال في الساعة في هذه الكثبان - وأقل من نصف هذه المسافة عند طيران الغربان - فمعنى ذلك أن هذه الجمال كانت تسير سيراً حسناً . وعندما عبرت عن هذه الرغبة لفارس أعترض بعقلانية بأننا غير مجهزين لمثل هذه الرحلة . وأن عَلَيَّ أن أكتفي بتمديد رؤوساً عريضة إلى السهل الغربي في الجزيرة العربية , وقد سافرنا أولاً فوق هذه الرؤوس أحياناً بين الكثبان العالية , وأحياناً لمدة يوم كامل عبر النجود المنبسطة . سافرنا حول الجروف الصخرية التي حطمتها العوامل المناخية , وعبر الإنهدامات المنخفضة ذات البرك المطرية الجافة حتى وصلنا إلى النفود نفسها ثانية . وهناك وصلنا إلى أقصى نقطة جنوبية في رحلتنا . وحسن رواية فارس أصبحنا على مسيرة يوم واحد من تيماء أي أننا أصبحنا على مسافة خمسين ميلاً من تلك الواحة الشهيرة . واستمرت طريقنا صعوداً ونزولاً كما لو كانت تمر فوق سنامات عشرات الآلاف من الجمال الضخمة الرابضة , حتى إن رواحلنا كانت تبدي بعض العصبية أحياناً ; مما كان يتوجب علينا قيادتها . وكان علينا أحياناً خلع صنادلنا أو أحذيتنا لنستطيع السير فوق السفوح الشديدة الأنحدار , حتى نغرس أقدامنا بقوة , أو نجرف خطواتنا بأكفنا وأقدامنا . ومن حسن الحظ أننا ركبنا ذللاً معتادة منذ الصغر على النفود . فالجمال التي ألفت العيش في الصحراء الصوَّانية أو المناطق البركانية ترفض بإِصرار أن تطأ هذه الرمال الغريبة . كانت خدود الكثبان مشبعة بأشعة الشمس متوهجة بالحمرة القانية في أواخر النهار . لقد توهجت كما لو أنها أكتست بالحرير الناعم . ترى هل هناك كثبان رملية بكر لم تطأها أرجل البشر ولم تعرف إلا الأقدام الصغيرة الريئة للغزلان الرشيقة ؟ ويبدو شمال غرب النفود في الربيع مليئاً بالصيد , ففي معاقلها يتكاثر الناعم الذي يهاجر فيما بعد مع صغاره إلى الشمال كما تتكاثر أيضاً الغزلان والوعول طريدة النمر الشرس . كما أن تيس الجبل أيضاً والنسر من جبل الطويل القريب حيث لاتزال هذه الحيوانات موجودة تصل في رحلاتها الربيعية إلى القفار الغربي . ولنعد إلى زحفنا فوق الكثبان بعد ظهر ذلك اليوم إذ لفت إنتباهنا من بعيد شيء يتحرك تحت الطرفاء . أوقفت راحلتي وركزت مناظري فظهر لي شيء خلاب . مجموعة من غزلان الريم البيض كالثلج . أقدامها مغروسة في الرمال الحمراء , ترعى الأغصان المتدلية في جو حفي أخضر . وبتدقيق النظر رأيت مجموعات أخرى من الغزلان بالقرب منها : بعض الغزلان يغالبها النعاس وبعضها يشم بعضاً أو تتناطح بقرونها ورؤوسها . مناحي أيضاً كان ينظر فأخرج بندقيته من خرجه , ولكني رجوته ألا يطلق النار وأن يدع هذه الحيوانات الجميلة بسلامه فتقبل وجهة نظري . أشار فارس وإلى الآخرين فساروا في غور بين الكثبان بينما تخلفت أستمتع بمنظر هذه المخلوقات الفاتنة , وإنها تروي عطشها بالندى الذي يتجمع في الصباح على الأوراق والأزهار كما يقول البدوي . وقـُدر لي أن أنال مكافأة في تلك الساعة من المراقبة والتأمل الصامت , إذ لا بد أن بعض الحركه أو الضجة المريبة نّبهت الغزلان لأنها انتصت كلها واقفة في عدة مجموعات بيضاء في الرمل الأحمر منتصبة الآذان وكلها تحدق بأتجاه الغرب . وفجأة ظهر فوق السفح مجموعة من أحدى عشرة نعامة بخطى طويلة بطيئة - ثلاثة ذكور وثماني إناث - إنها طيور رائعه . وتسلل خلفها غزال فضولي , لكن النعامات بدأت بالعدو واتخفت في متاهات الكثبان الرملية . وعندما سرت في إثر رفاقي قطع طريقي أحد الثعالب . وطارت غربان كثيرة من بين شجيرات الأكاسيا . كانت الشمس تشرف على المغيب , والهواء الجاف يميل نحو البرودة , وأمامي الأمواج الرملية بقممها الذهبية الحمر تلقي ظلالاً داكنة نحو الشرق . وستر وجه البريّه حجاب بنفسجي , وخيم على النفود سكون عجيب . غسق قصير ثم يأتي الليل , والريح تحمل إلي صوتاً خافتاً , إنه فارس يبحث عني . فاجبت النداء وركبنا جنباً إلى جنب إلى أخدود آمن محاط بالكثبان العالية جعلت منه مراحة جمال ممتازة ومخيماً مثالياً . قال فارس : << دعونا نتناول طعامنا >> وسحب شداد الثقيل وقربة الماء عن ظهر ذلوله . وسرعان ما أشتعلت النار من أغصان الطرفاء . وخلال ثوان ٍ قليلة أصبحت دافئة , وأشتعلت بدون دخان وبلهب لا لون له تقريباً , وغذّاها الرجال بالجذور والأغصان بحجم الذراع . في هذه الأثناء جهّز العجين . عندما أصبحت هناك كومة من الجمر المتوهج أحضرت صفيحة الخبز المعدنية ووضعتها على النار . وكان طعم هذا الخبز الساخن رائعاً مع التمر والعسل وجبن الجمال الصلب . وضع فارس الحراس فوق هضبتين رمليتين مشرفتين , وكان عّليَّ ان أتولى إحدى نوبات الحراسة . ولفّت الصحراء ليلة صافية , وعكست كثبان الرمال والهواء ضوء النجوم بلون بنفسجي ذي بريق فضي . كانت ليلة تسحر الألباب . ولكن أعظم أعجوبة هو ذلك السكون التام الذي سحرني , فسكرت من جمال الاضواء الليلة الخافتة , وعظمة السماء التي تنعكس في هذه المرآة الرملية الفريدة . وجلست لعدة ساعات وحيداً يغمرني هذا السحر العجيب . *** الرجاء حفظ حقوق النشر اخوكم |
|
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 12-09-2006 الساعة 04:15 PM |
| | #14 |
|
: الادارة : | العاصفة الرملية لم نكد نغادر باتجاه جبل الطويل الذي يبعد نحو مئة وخمسين ميلاً حتى بدأ مطر خفيف بالهطول . وبدا قوس القزح فوق الكثبان كسيف معقوف برّاق وأخذ الرعد يقصف من بعيد . وصاح فارس « يا قدير ! الصوت المبارك الذي يعدنا بالمرعى » . وأنخفضت السحب حتى لامست ذيولها الرمادية قمم الكثبان . ولمع البرق المتشعب وقصف الرعد بكل جلاله يهز الهواء , تساقط البَرَد الصغير ثم أنفجرت السحب بعدئذ . وبدأ الرمل بالغناء تحت سياط المطر , وتجهد وبر الجمال المبتلة نحو الأعلى , وبدأت ملابسنا تقطر كما لو أننا أنتشلنا من الماء . وسرعان ما أنتهى الطوفان وأخذ هواء دافئ في الهبوب يجفف الإنسان والحيوان . وعادت الشمس تسطع من جديد . ولك يحن وقت الظهيرة إلا وكان العميق هو الشاهد الوحيد على هطول المطر . وبعد يومين هبطنا إلى الأراضي المنخفضة , وشعرنا بالرياح الخانقة التي تحمل سحباً كثيفة من الرمال , وتحملنا اليوم الأول منها على الرغم من انها هبت بقسوة وبدون أنقطاع . وفي اليوم التالي تطورت إلى عاصفة رملية عنيفة لدرجة يكاد المرء لايستطيع البقاء في الشداد . واقترحت العودة إلى النفود والبقاء هناك في غور عميق حتى تنتهي العاصفة إذ المرء في أمان في الرمال الحمراء نظراً لأن كثافتها النوعية أكبر كثيراً من الرمل الأبيض أو الأصفر , وهي مكسوة بالخضرة إلى حد مابعد الأمطار الشتوية . وقد زينت رقاب وجوانب جمالنا بالحمائل الفضية الدقيقة والأحزمة المضفورة والأرسنة الملونة المزخرفة بالخرز الأزرق والأحمر . وبجانب الجمال هرولت الجياد برقاب مقوسة قليلاً , وظهور ناعمة مشدودة , وذيول عالية , تربطها إلى الجمال القطعة العليا الزاهية اللون من تجهيزات رؤوسها ; لأن البدو في الجزيرة العربية - بعكس البدو الأفارقة - لايستعملون الشكيمة ولا اللجام . ومرشمة السرج الرقيقة تصنع من جلود النمر أو الغزال ويربطها الحزام الجلدي الضيق . وربض الركاب المرافقون خلف رفاقهم على سنام الجمال العالية وبنادقهم جاهزة كقطط بريه بأعين براقة وعضلات متوترة , وتماوجت فوق أكتافهم أطراف كوفياتهم التي لفوّها حول رؤوسهم ورقابهم . وفي الظهيرة كان فارس يركب في مقدمتنا بين حراسه السود فأعطى الإشاره بتبادل الركوب . وكان قد رأى سحابة غبار سببتها على مايبدو سيارتان تقتربان بسرعه . وفي لمح البصر رمى سبعة وستون رجلاً قوياً أنفسهم - وبنادقهم في أيديهم - من ظهور الجمال إلى ظهور الجياد وسحبوا الأرسنة من أحزمة الجمال . ثم غرسوا أكعابهم العارية في جوانب خيولهم وانطلقوا إلى الأمام , وضاعوا في سحابة من الغبار تاركين فرسان الجمال خلفهم الذين لايسمعون سوى الصيحات الحماسية وصهيل الخيول وطرقات حوافرها . أنطلاقه الخيول الجنونية جعلت فرسي « سادها » متحفزة فسحبت رسنها وأفهمتني بأنها تريد المشاركة أيضاً . وتناولت بندقيتي الموزر وقفزت من ظهر ذلولي إلى ظهرها . وأستجابت بصهلة لضغط ساقيّ , وأنطلقت وراء الآخرين كالغزال عندما ناديت أسمها ووجهي تقريباً يلامس شعر رقبتها , وأفتربت أكثر فأكثر من العصبة الهادرة أمامي وسرعان ماتجاوزت المؤخرة ولحقت بفارس وحرسه . وظهرت الآن السيارتان فوق تلة وأدركنا على الفور أنهما سيارتان الرولة الحربيتان فوقفنا جميعاً وانتظرنا وصولهما . وثبت أنهما تحملان الأمير فواز نفسه يرافقه محجم وعدة رجال آخرين . لقد قبضوا في جوار المضارب على كشاف من بني صخر فرفض الإجابه عن الأسئله , ومنع الأمير رجاله من أنتزاع المعلومات منه بالتعذيب . ومنذ ظهور الجاسوس في تلك المنطقة وجد الأمير الشاب المنطقي الأستنتاج بأن قبيلة بني صخر قد حملت السلاح ضد الرولة المهددة من الجهة الأخرى من البشري أيضاً .ولذلك قسم قواتنا : ثلث القوات الآن بقيادة محجم تبقى لمواجهة البشري , والثلث الآخر بقيادة فارس ينحرف إلى الجنوب الشرقي ضد بني صخر . وبالطبع وضعت نفسي تحت إمرة فارس . وقبل إفتراقنا عن الآخرين أشتريت ناقة سباق رائعه عمرها ست سنوات كان صاحبها الرولي قد غنمها من الشرارات , وهي ذلول غبراء لها رأس أسد وعينا غزال واسعتان . لقد هِمْتُ بحب هذا الحيوان الرائع من النظرة الأولى . كانت موضع اعتزاز صاحبها وكلفتني أكثر مما حملت بدفعه لشراء ناقة سباق - 65 جنيهاً أسترلينياً - ولكنها كانت تستحق هذا المبلغ . وأجمل شيء فيها وما سحرني أكثر من أي شيء آخر هو الخط المثالي الطويل للظهر , وخط المعدة المرتفع من عظم الصدر حتى الفخذين الخلفيين . هذه البنية السباقية منحتها حرية للخطوات الرائعة : متناسقة وخفيفة - سلسة وواسعة . كانت سريعة ولا تعرف الكلل سواء في العدو أو في الخبب كما برهنت على ذلك يوم اشتريتها . إنها لمتعة عظيمة أن يُتاحَ للمرء ركوب الحيوان الأصيل . حقاً إن شرائي لها كانت صفقة موفقة . إنها نحيلة ولكن لها قدرة أحتمال غريبة على الرغم من أنها كانت مثقلة في أغلب الأحيان , وعلى الرغم من حجمها وبنيتها الخفيفة وعظامها الصغيرة فإنها حملت أثقالاً عظيمة . ومن حيث الحيوية كانت تضاهي أكبر وأقوى جمال السباق . ودون أن تفقد أية ذرة من رشاقتها وجمال منظرها حملتني هذه الناقة الأصيلة لعدة أسابيع في تلك المسيرة الشاقة في النفوذ والعودة إلى المضارب دون أن تفقد بشرتها المخملية لمعانها . وحتى نفسها الحلو كان أبهج من نفس أي حيوان آخر من جمال السباق التي خبرتها . كان فخذها ورقبتها وساقاها نحيلة وسنامها صغير ولكنه صلب , وصوتها رقيق حنون سواء في القرقرة أو النشيج . وكانت على العموم تخاكبني بواسطة عينيها الناطقتين , أو بدفعة رقيقة من أنفها على كتفي أو ساقي , وكانت تحب كثيراً أن تحك جسمها عليّ وتلعب معي . وفي الليل أُناء أجترارها تكنكن وتلتوي بذكاء لتؤمن لي منامة مريحة بجانب جسمها الدافئ . كان شدادها المزركش المصنوع من خشب الأكاسيا المرصَّع بالفضة , والمساند الجلدية الثلاثة , وجلود الأغنام , لايزال مستقراً فوق أرض غرفتي , وكثيراً ما أجلس عليه في المساء وأقرأ أو أحلم بمها الشرارية السريعة . وعلى جدران غرفتي أحتفظت بزركشات شدادها وخِرَجَتِها الشَّعرية الكبيرة ذات الصفوف الطويلة من الشرابات المعقودة , والحافّات المضفورة التي كانت تتدلى حتى بطن مها , وتتأرجح بأنسجام مع مشيتها . ولا أزال أحتفظ برشمتها أيضاً - تلك الرشمة الصوفية الجميلة الملونة بالأحمر والأزرق فوق خلفية سوداء . واتجهنا نحو الجنوب يصيح بعضنا على بعض بسرور , ونغني أغاني الجمال , في الجزيرة العربية لا يحتاج المرء مهماز أو كرباج لحثّ الخيول أو الجمال . فأغاني الراكبين الإيقاعية البهيجة , وحَوْرٍَبتهم المرحة , وأصواتهم الرخيمة الصافية تكفي . فالصوت العربي يختلف تماماً عن النعيب الرتيب الناعس الأخن عند المصريين والسوريين . وأغاني الجمال ( الحداء ) البدوي أيضاً منغّم وجريء ومسترجل ; مما يجعل الجمال والخيول تحبُّ هذه التسلية . أثناء المسيرات يُغَنَّون ساعات وساعات - هولاء الراكبون النحاف الأشداء . ولكنهم غالباً ما يصمتون عندما يضنيهم الجوع والعطش والغبار , وعندما يكون من المناسب حماية الفم والأنف من الحرارة والرمال . الرجاء من الجميع حفظ حقوق النشر اخوكم |
|
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 12-09-2006 الساعة 04:13 PM |
| | #15 |
|
: الادارة : | أيام الطمأنينة كان هدفنا التالي ينتصب أمامنا - الجدران الحجرية الرملية الداكنة لجبل الطويل . ومن سفح هذا الجبل هناك مسيرة ثماني ساعات على ظهر الجمال للوصول إلى واحة الجوف في الطرف الجنوبي من وادي السرحان . خططنا مسارنا بإتجاه وسط السفح مارّين فوق قمم الجبال المحاطة بالصخور السوداء . بين الشقوق العميقة للسلسلة القديمة عرف فارس كيف يختار الشق الذي يوصل إلى ( ممر مستندا ) الذي نستطيع أن نمر من خلاله إلى السهل خلفه . وجدنا هناك مخيماً رولياً أقتبلنا بإذرع مفتوحة . وهناك قررنا أن نبقى لمدة أسبوع كامل لنستريح ونرعى جمالنا . خلال هذا الأسبوع أستطاع فارس تأمين الخلاخيل التي وعد حبيبته بها . وذهب إلى الجوف وهناك قايض إحدى نعاماته الصغيرة مقابل الخلاخيل . كان الأسبوع بالنسبة لي لاينسى : أسبوع من التفكير والتأمل بالإضافة إلأى الإنطباعات الجديدة . تجولت مع مناحي في معاقل جبل الطويل : انا لمجرد التمتع بوجودك وهو بحثاً عن الصيد . اصطاد مناحي عدداً من ماعز الجبل بينها بعض النماذج الرائعة . ولكن على الرغم من وجود هذه التيوس البرية فإن السلسلة مقفرة إلى حد كئيب . ولونها السائد داكن بل مائل إلى السواد , وبدت صخورها البارزة الحمر والزرق والاردوازية وتعمّق هذا السواد بدلاً من التخفيف منه . في صباح أحد الأيام تركت ( مناحي ) يذهب إلى الصيد لوحده , وبدلاً من الذهاب معه التحقت بأحد الرعاة . كانت الجمال الموكولة إليه ترعى بعيداً عن المخيم , لذلك كان يأتي إلى المخيم مرة كل ثلاثة أيام . كانت المنطقة صخرية , وتجولت الجمال فيها طوال النهار بحثاً عن الطعام بين الصخور التي ارتفعت احياناً حتى رأس الأنسان . جمعنا القطيع ظهراً وقدناه إلى ظل بعض الصخور العالية حيث تمددنا على الأرض نصف نائمين , وبإسترخاء متكاسل طيلى ساعات الحر . وعندما تبلدت السماء بالسحب أضطررنا للحركة الدائمة لتجنب البرد الشديد , متوقفين قبل أن تغرف لاشمس للحصول على بعض الحليب في وعاء خشبي لعشائنا . كانت النباتات بين الصخور مليئة بالأزهار العطرة : البض والبنفسجية والحمر . بعضها أكسب حليب جمالنا نكهة خاصة لذيذة تذكرنا بالقصعين أو البابونج أو بعض النباتات العطرة . هذا الحليب خال من مرارة حليب بعض المناطق , أو حليب وادي السرحان المائي المالح . حتى شوك الجمال يزهر هنا عند سفح جبل الطويل , كما أن الأكاسيا الصغيرة تبعث رائحة حلوة . أحياناً غطى الطلع الأزرق والأصفر قطيعنا الصغير . كان رفيقي الراعي فتى نابهاً . وبدلاً من الجلوس على جمله بالأسلوب المعتاد برع في التمدد لساعات طويلة خلف سنامه متعلقاً به كالعلقة . حاولت أن أقلده ولكنني قضيت أكثر من يومين حتى أكتسب هذه المهارة : كيف تثبت ركبتك في عظام ورك الجمل , ثم تتمدد إلى الأمام وتستعمل سنام الحيوان الوبري كوسادة لمعدتك لتركب براحة مدهشة . قدنا الجمال بالعصي الخاصة بضربها برفق على هذا الكتف أو ذاك . وهكذا سرنا ببطء جنباً إلى جنب والجمال ترعى اثناء سيرها وتتوقف أحياناً . ولكن علينا أن نراقب جمالنا لأنها كانت تخادع بإستمرار . في هذه الأيام الثلاثة تعلمت الكثير . أدركت أهمية الأصوات الخاصة بالجمال . تعلمت أن في التناغم المرتفع في قرقرة المعدة وفي غرغرة الحنجرة يكمن معنى لا يمكن أن تعبر الكلمات عنه . وحتى التجشؤ بملء الحنجرة تعبير عن أفكار نبيلة . تعلمت كيف أعالج الأشواك التي تخترق نعال الصنادل والأحذية , وكيف أعالج لسعة النحلة التي تجعل شفة الجمل تتورم إلى حجم هائل . كما علمني رفيقي أيضاً كيف أسد ضرع الناقة لمنع سقوط الحليب وبالتالي ضياع الحليب الثمين , وكيفية منع الجمل من < الشرب لعدة ساعات > من ضرع أمه بتثبيت وتد خشبي على أنفه وتعلمت أن أستدل من الآثار على التربة الحصوية القاسية , وهل كانت الجمال التي عبرت جمال ركوب أو جمال أحمال . كما تعلمت أيضاً قضايا العمر والجنس والتوالد وقضايا أخرى كثيرة . أصيغت بأنفاس حبيسة إلى رفيقي يقص علي أن الخرزة الزرقاء المربوطة إلأى أوبار رقبة الجمل أفضل تعويذة ضد العين الشريرة . كما أخبرني أيضاً عن القراد ( الذي يبلغ حجمه حجم الحنظب ) الذي يوجد في جلود الجمال , وعن الغربان الزرقاء - السوداء الجميلة التبي تقفز على ظهر الجمل بأمان تلتقط بمناقيرها المستقيمة هذه القرادات والطفيليات الأخرى التي تعيش بأمان في وبر الجمال الكثيف . إن بهجة مراقبة الجمال الصغيرة جعلت أيام تجوالي الثلاثة ثمينة . يا لها من حيوانات رائعة ! لكم تعشق لعق وشم بعضها بعضاً ! إنها تمشي بصعوبة على قوائمها الطويلة جداً في مجموعات مؤلفة من خمسة إلى ستة جمال , وتدلك رقابها النحيلة الطويلة . وعندما يسقط المطر على وبر الجمال الكبيرة أو الصغيرة فإنها تنقلب إلأى تموجات وتجعيدات وحواش ٍ تسر أي حلاق نسائي عصري . وعندما جلسنا أمام النار وظهورنا إلى الصخور , وأخذ رفيقي يروي القصة تلو القصة أستمتعت برؤية الجمال تقتر وتتزاحم , وتصغي بإهتمام كما لو كانت تفهم مايقول . صحيح أنها كانت تقاطع اقصة من آن لآخر بالتجشؤ , ثم تعود بهدوء إلى أتجرار مخزونها من الأعشاب المزهرة والأشواك بمصاحبة صرير الأسنان العالي النشاز . إنها طريقة الجمال !. كنت في كل صباح أستيقظ لأستمتع بشروق الشمس أو النظر إليها بعد شروقها بين غابة كاملة من السيقان ( لأن كل العالم يهوي السيقان الطويلة ) أو تحت عقود من الرقاب الطويلة . أو تحت عقود من الرقاب الطويلة . *** الرجاء حفظ حقوق النشر أخوكم |
|
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 12-09-2006 الساعة 04:07 PM |
| | #16 |
|
: الادارة : | الجمِال والنساء والأطفال والجراد يا لهذه الجمال ! إنها تثبت أقدامها وتسحق بها وتتزاوج وتتصارع وتبكي وتخاف ( نعم! ) وتضحك ! إنها ضعيفة ولكنها دائماً وأبداً هائجة . إنها تجري كالآلات لساعات طويلة ثم تتوقف فجأة وترفض التزحزح . وبمجرد أن يكون راكبها فوق الشداد تصبح حيوانات منتصبة وفخورة وواثقة من نفسها ونبيلة , وتتحرك بخطى مرنة , ولكنها عندما يجلس الراعي الكسول فوق سنامها تصبح بليدة وكسولة ونهمة . الجمل ليس مجرد حيوان لركوب . فالبدوي يستفيد منه بطرق كثيرة أخرى . إنه يطبخ لحمه ويأكله على الرغم من ان لحمه قاس - حتى بعد الطبخ - لدرجة تجعل أسنان المرء مثلمة أو مخلخلة نتيجة للجهد المبذول لمضغه . والبدوي يشرب حليب الجمل . وفي وقت الشدة يشرب حتى السائل الحامض الكثيف الذي تفرزه معدته . في صباح الأيام الباردة يدفئ الناس أيديهم في بول الجمل , وأحياناً يغسلون به شعرهم . إنه يقتل كل الطفيليات ! ووبر الجمل يجمع ويتحول إلى عباءات للرعاة , وثياب للنساء والأطفال , وكما أن هذه الحيوانات المسكينة تنوء تحت أحمال لاتصدق . أما روثها فيستعمل وقوداً لنيرانهم , وتصنع من جلودها قرب الماء والنطاقات والصنادل . في صباح أحد الأيام لاحظت أمرأة تتجول بين الجمال الرابضة . وكلما رأت ناقة تنهض أسرعت إليها وجمعت بولها ( الذي كانت بانتظاره ) في وعاء تحمله لهذه الغاية . ويجب أن نتذكر أن بول الجمال تفوح منه راحة الأعشاب والنباتات العطرية . وعندما عادت إلى خيمتها التي كان أحد جوانبها مفتوحاً رأيتها تجمع خصل شعر أبنتها الصغيرة في يدها وتغمسه في سائل الشعر الثمين , ثم تمشط وتضفر الشعر الأسود الرطب على شكل الجدائل المعتادة , ثم رأيتها تعود إلى الجمال ثانية , ولكنها تجلس فجأة . وبعد لحظة نهضت ثانية ورمت وعاءها وعادت مسرعة إلى خيمتها , ولكنها سقطت قبل ان تقطع مسافة طويلة . نهضت وركضت نحوها . وعندما حاولت مساعدتها على النهوض لم تنبس ببنت شفة , ولكنها سحبت ذراعيها مني وجثمت على الأرض . لاحظت انها في حالة ولادة . ولما لم يكن هناك أي أشخاص كبار في مدى السمع ناديت بنات المرأة وطلبت منهن أن يحضرن فرشاً وجلوداً صنعت منها وسادة للمرأة بين الجمال , وأعدت البنات إلى الخيمة . وأتخذت من نفسي ستاراً للكرأة وسترتها بأحد الجلود وهكذا ولدت صبيها الأول . في الحال وصل زوجها وأثنان من عبيد فارس . التقط الأب المولود الجديد وهرع ثلاثة رجال إلى جمل فضربوه على وركه لبنهض وأخذوا يدلكون جنبه بأيديهم اليمنى حتى تبَّول , فحمموا المولود الذي كان يصرخ فعمدوه بهذا الماء المعطر من حيوان الصحراء إلى زمالة البرية المقدسة . كنت أفكر بالصورة غير المتوقعة التي تمت بها هذه الحادثة عندما روعتني ضربات ثقيلة على سطح الخيمة والرمل في الخارج . ي كل مكان : على الخيام وعلى ظهور الجمال . كانت السماء تمطر جراداً أحمر سميناً . عندئذ كانت والدة المولود الجديد تقرفص في خيمتها الملأى بالدخان مشغولة - بمساعدة صديقاتها - في لف جسمه بمسحوق بعر الجمال والأقمشة القديمة , وهو إجراء لابد منه عند البدو لحماية المولودين الجدد . ولكن على الرغم من الأهمية القصوى لهذه العملية فإن كل النساء بإستثناء الوالدة اندفعن بعجلة شديدة لمساعدة الرجال والأطفال في جمع الجراد . واستمر الجراد يأتي بأسراب , بل بسحابة فوق سحابة . وبينما اندفعت الآلاف بأصوات عالية فإن الكثير منها توقف عن الطيران واستقر حولنا . فحيثما تطلعت وجدت الأرض مغطاة بالجراد كما لو كانت مغطاة بسجادة حمراء زاحفة . وفقدت الأرض العشب والحشائش والشجيرات بفعل كتل الحشرات التي تلتهم كل شيء . وسرعان ماكان الجراد فوق كل موقد . وكان الرجال والنساء والأطفال يقرفصون متحلقين حول الموقد . التقطوا الحشرات بجناخيها الشفافين وقطعوا الساقين وغمسوا الحشرات المشوية بالملح وأكلوها . لم استسغ طعم الجراد المسلوق إذ أن لها طعم اليخنة ( الفثة ) أو مثيلها من الخضراوات . لكنني وجدت الجراد المشوي مقبولاً أكثر فهو قاس من الخارج وداخله يشبه السبانخ الطرية , في كلتا الحالتين ليس له طعم اللحم . إنها حشرات نظيفة مقبولة كطعام , ولكن المرء سرعان ما يملّها عندما يتوجب عليه أكلها دون سواها يوماً بعد يوم . استمر الستار الدخاني في كل المخيم طوال النهار مما دفع النساء والأطفال للجري لجمع الجراد . وفي صباح اليوم التالي وجدت الأكداس من تلك الحشرات تجفف في الشمس , وعندما غادرنا هذا المخيم بعد بضعة أيام لم يكن هناك أي كيس او خرج فارغ , وحملت جمالنا الأحمال الهائلة من هذه الحشرات المجففة . فالرجال والنساء والكلاب والجمال أكلت من الجراد ولكن لبضعة أيام فقط , لأن الجراد قلب معدة الجميع . وماتبقى حفظ بعناية لأوقات عصبية أخرى , لأن الجراد عندما يتدفق بأعداد هائلة يستطيع المرء أن يتنبأ بالقحط والمجاعة . وعندما سرنا في إثر هؤلاء الغزاة وجدنا الأرض جرداء عارية , إذ أن كل قطعة عشب أختفت في تلك الأفواه النهمة , ولكن أدركت أن (( وباء الجراد )) لم يكن ماحقاً تماماً في الصحراء كما كان بالنسبة للفلاحين في شرقي الأردن وفلسطين ومصر . ففي الصحراء يعتبر نعمة بالنسبة للناس الآخرين . سمنت من أكل الجراد , كما أن أسراباً من اللقق تتبعت السحب الحمراء . والجراد مفيد جداً حتى بالنسبة لسكان الصحراء الآدميين . حدثني فارس أن عشرات الآلاف من البدو أضطروا أن يعيشوا على الجراد فقط لمدة أسابيع , حتى جمالهم وخيولهم أحياناً لاتجد طعاماً آخر . وخلال مسيرة الأيام الأربعة إلى الشمال - حوالي ( 45 - 50 ) ميلاً عن مخيمنا الأخير في جبل الطويل - وجدنا أن كل المراعي قد اختفت إذ ابتلعها الجراد حتى آخر نبتة . وفي سهل البياز فقط وجدنا انخداماً كثير الأعشاب لم يمسه الجراد فخيمنا هناك في حماية احد الوديان . انزلت النساء والعبيد احمال الجمال , وفي الحال بدأت بنصب الخيام . فرشت أقمشة الخيام على الأرض مثل الجلود السوداء الكثيفة الشعر , ورسمت الخطوط شرقاً وغرباً , وغرست أوتاد الخيام في الأرض بالمطارق الخشبية , ووزعت أعمدت الخيام بالتساوي تحت شريط السقف . وبالرفع والدفع تنتصب الخيمة عموداً بعد آخر حتى يستقر (( البيت )) الشعر فوق دعائمه . ويرتفع صف بعد آخر من الخيام التي ألقت بظلالها عندما لمعت أشعة الشمس الأخيرة على سقوفها القممية . اشتريت جملاً ضعيفاً من رفاقي المسافرين وذبحته ووزعت لحمه على الجميع . وسرعان مابدأت طناجر أبناء إسماعيل بالغليان . وجذبت روائح الطعام قطيعاً من الكلاب الجائعه . وأخذ احد الرجال على عاتقه أن يلعب دور المضيف لي ولفارس ولعدد من الرجال الآخرين . ومن قلب الظلمة تسلل قطيع جماله بهدوء , وظهر فجأة في ضوء النار كأنه ظهر من تحت الأرض وجثم امام خيمته . وشعرنا بالارتياح والألفة بجانب النار ضمن الدائرة الواسعة من الرجال والحيوانات . ونقل طاهينا كتلة طينية عطرة من القهوة المطحونة من إحدى القرب الجلدية إلى مصب القهوة الذي وضعه على النار . وعلى الخمير الأسود المر وبعد أن أزيلت الرغوة جيداً صب الطاهي جزءاً من القهوة في أصغر مصب موجود . ومن الأخير بدأ يصب بضع قطرات في كل مرة في فنجان خشبي وحيد لرجل بعد آخر في المجموعة . وبدأت كومة بعر الجمال الذي جمعته النساء بالتوهج , وبدا كل فرد على رؤوس أصابعه مترقياً عندما نهض وذهب إلى جناح النساء من الخيمة , وعلا منه الصخب فالعشاء جاهز تقريباً , وبالتأكيد ظهرت امرأة وأحد العبيد يحملان (( منسفاً )) كبيراً مملوءاً باللحم ووضعاه عند المدخل . وصاح فارس في الليل يدعو للعشاء حتى عابري السبيل في الجوار . تجمعنا حول هذا الحبل من اللحم . ورأيت في الضوء المتراقص الرجال الجائعين التواقين يقرفصون مقابلي بضفائرهم السوداء تحت كوفياتهم البيضاء والحمراء التي ارتدت اطرافها فوق أكتافهم , وبدؤوا الأكل بأصابعهم , فنزعوا اللحم عن العظام والتهموه بلُقَمٍ كبيرة . أخذ مضيفنا يرمي إلي بقطع اللحم الشهي عبر المنسف الذي كان مزيناً برأس الجمل المفتوح , ولكن بدون المخ . فالنساء فقط هن اللواتي يأكلن المخ لأن من المفترض ان يجعل الرجال ضعاف القلوب . كما أن قلوب الحباري والطيور الأخرى أيضاً لا يرغب فيها أسياد الصحراء الشجعان . بقينا أربعة في هذا الأنهدام نظراً لوجود الكفاية من الطعام والماء . تناثرت الجمال في المنطقة المجاورة , كما أن النساء أنشغلت في أقتلاع جذور الشجيرات الصغيرة , وجمع الحط بالذي حملنه إلى المخيم بحزم كبيرة . الكثيرات من النسوة ذوات أجسام جميلة يمشين منتصبات وبخصور متمايلة حتى عندما يَنُؤْنَ تحت الأحمال الثقيلة . أطراف أثوابهن الزرقاء تنساب خلفهن على الرمال , ولكن مقدمة الثوب تجمع وترفع بالقدر الكافي - والكافي فقط - أي حوالي عرض الكف ليتيح لهن حرية الحركة . ووصلنا إلى الحوز جنوب جبل عنزة وهو منطقة منخفضة مملوءة ببرك المطر بعد أحد عشر يوماً من السير المتمهل . وهناك افترقنا - فارس وانا - عن بقية المسافرين واتجهنا غرباً إلى أطراف الحماد والحرة ( الصحراء الصوانية ) قاصدين وادياً بجوار ام دعال . ودَهَمَنا الظلام في المناطق المرتفعة من الحرّة بقي من ضوء النهار مايساعدنا على الرؤية . وأوقفت مها لأن منظراً عبقرياً ظهر أمامي - مضارب الرولة في المساء . بعد رؤية البريّه يوماً بعد يوم ولعدو أسابيع - لا شيء سوى السماء الزرقاء والقفر ظهرت لنا فجأة مدينة من الخيام . وتصاعد الدخان من آلاف الخيام السوداؤ وبينها بدت قطعان الجمال - المئات منها تتخذ سبيلها نحو المبيت . وأخيراً عدنا إلى المنازل مخلّفين وراءنا / 750 / ميلاً من ركوب الجمال عبر صحراء الحماد والنفود البكر , وجلبت معي ذخيره لاتقدر بثمن من الذكريات التي لاتنسى . أتمنى حفظ حقوق النشر ... طارق الرويلي |
|
| | #17 |
|
: الادارة : | تويما في اليوم التالي لعودتنا كنا - انا وفارس - مستلقين على إحدى الهضاب نراقب بإسترخاء قطعان والده المتناثره . تحدث فارس عن حبيبته بشاعرية المحب وعاطفة العاشق قائلاً : « التي تقترب في هودجها ... المختبئه خلف أشعار الخيمه ... المحروسة ... التي سيحملها الهودج عبر الوادي الظليل العميق حتى تحمّر الشمس خديها بشعاعها » . واقتربت بدويه تركب ناقة وتسوق أخرى وصغيرها أمامها . وصاح فارس « تويما »! إنها صديقة تويما . وانزلقت عن ذلولها وتحدثت إلى الحيوانات التي توقفت مطيعة التعليمات وانتظرت . وسألها فارس : « أين أختي » ؟ فأجابت مبتسمة : « إنها تنتظر عودتك يوماً بعد يوم » . ونهض فارس وأقترب من الفتاة قائلاً : « أطلبي منها أن تتذكر تلك الليالي التي كنا نتقابل خلالها بالسر . أخبري حبيبتي انني أتوق للسير معها فوق الكثبان الرملية . إن أطراف ثوبها سوف تمحو أثار أقدامنا ولن يعرف أحد مكاننا » . وأحتجت الفتاة قائلة : « يافارس » ! فرد قائلاً : « قولي لها إن نصل خنجري يذكرني أنني لن يهدأ لي بال حتى يستجيب صدرها النحيل لعواطف حبي » . بعد بضعة ساعات وصلت تويما إذ أن صديقتها أخبرتها بعودة حبيبها . ظهرت فوق قمة الهضبة ثم سحبت الأَعِنَّة , وقفزت من فوق فرسها الشقراء ,ووضعت الرسن بين قائمتيها الأماميتين , وربطتها فوق عرقوبها , وبهذا تستطيع الفرس ان ترى دون أن تتمكن من الهرب . واتجهت تويما برشاقة الغزال فذهبنا لملاقاتها . ألقت بذراعيها حول عنق فارس وقالت برقة : « ياحياتي » فأجابها : « ياوعدي » ! ثم جلسنا معاً فوق قمة الهضبة . وتطلعت تويما حولها وقالت بضحكة عابثة : « أين باقة الأزهار البرية ؟ باقتي الجميلة الكبيرة »؟ - « باقة أزهارك » ؟ - « نعم ! والخلاخيل » ؟ وتظاهر فارس بالجدية وخشخش بالخلاخيل في جيبه . ورمقته تويما نظرة أستغراب وقفزت محاولة الوصول إلى يده التي في جيبه , ولكنه أمسك ذراعها بيده الأخرى وقال : « يجب أن تغمضي عينيك ولاتفتحيهما حتى أقبلهما » . فعلت تويما كما أمر فارس . أخرج فارس من جيبه الخلاخيل الفضية التي اشتراها في الجوف وربطها حول كاحلي تويما . وتوسلت كثيراً ليسمح لها بإلقاء نظرة واحده على الهدية على الأقل فصاح فارس : « يجب أولاً أن أزينك بأزهار الصحراء الخالدة » . وأرخى المحب ضفائر الفتاة السوداء اللامعة واحدة بعد واحدة , وأدخل فيها أربع عشرة ريشة بيضاء رائعة طويلة ( طولها قدم ) من ريش النعام . وبعد أن أنتهى من ذلك سحب الضفائر إلى الأمام فوق كتفيها وجمعها في إحدى يديه حتى تشكل الريشات المرتجفة باقة واحدة , ثم قبّل جفنيها وقال : « ها هي يا أختاه ! باقة الأزهار الدائمة التي وعدتك بها . فتحت عينيها وحدّقت بإعجاب في هدية حبيبها . ثم دفنت وجهها بالريشات وطوقته بذراعيها . مال فارس برأسه على كتفها ووضع يده على قلبها قائلاً : « إنه يقفز كالأرنب البري » . فهمست قائلة : « أليفاً بين يديك » فسألها فارس : « ألم تسمحي من قبل لشاب بوضع يده على قلبك » ؟ وتورّدت قائلة : « مطلقاً ! أنت فقط » . *** الرجاء حفظ حقوق النشر والتوزيع اخوكم / طارق الرويلي |
|
![]() |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
↑ Grab this Headline Animator + ترجاك عيني ديزاين
![]() | ![]() |