الفصل السادس ( قائد رحلنا ) « قائد رحلنا »
عندما شددنا الأعنة كان العبيد قد أضرموا ناراً هائلة إشارة لجمع فرسان القبيلة . قيل إن حملة غزو كبيرة من
البشري ( قبائل العنزة الثلاثة المتحالفة : فدان - سبا - أمارات ) تتقدم نحونا . وقيل إن عددهم خمس مئة راكب
جمل وبضع مئات من خيول العرب . ربما كانت الأعداد مبالغاً فيها .
في تلك الليلة اتخذ الأمير فواز كل الترتيبات وعُيِّن فارس قائداً للحملة .
وقبل أول خيط من خيوط الفجر كان فارس بجانب فراشي ومسعته يقول ضاحكاً « إنهض إذا كنت تريد الركوب
معنا » . قفزت واقفاً وبدأت بالاستعداد للمسير .
ناولني فارس قربة مليئة بالماء , وكتلة من التمر , وبضع كرات من الجبن البدوي القاسي بحجم قبضة اليد .
وكدسة من الخبز الطازج , وبمساعدة مناحي - الذي عيّن مرافقاً لي وضعت كل شيء في خرج ذلولي ,
وأسرجت سدحا فرس الحرب البيضاء وربطتها من رسنها إلى حزام الذلول , وعندما بدأ السير كان الظلام سائداً
إذ إن القمر قد غاب . كان الليل هادئاً وأصوات الفرسان الذين يغنون أثناء السير لم يرجع لها صدى بل عبرت
الصحراء كموجة صوتية : خفيفه , سحريـه , جميلة . وبدت في الظلام خيالات الجمال . وبين الفينة والأخرى
كنت أسمع صوت النعال الخفيف , أو صرير السروج , وهكذا - كفرسان من عالم آخر - تابعنا مسيرتنا الصامتة
بين التلال وحتى طلع الفجر علينا وأشرقت الشمس .
وقد زينت رقاب وجوانب جمالنا بالحمائل الفضية الدقيقة والأحزمة المضفورة والأرسنة الملونة المزخرفة
بالخرز الأزرق والأحمر . وبجانب الجمال هرولت الجياد برقاب مقوسة قليلاً , وظهور ناعمة مشدودة , وذيول
عالية , تربطها إلى جمال القطعة العليا الزاهية اللون من تجهيزات رؤوسها ; لأن البدو في الجزيرة العربية -
بعكس البدو الأفارقة - لا يستعملون الشكيمة ولا اللجام .
ومرشمة السرج الرقيقة تصنع من جلود النمر أو الغزال ويربطها الحزام الجلدي الضيق .
وربض الركاب المرافقون خلف رفاقهم على سنام الجمال العالية وبنادقهم جاهزة كقطط برية بأعين براقة
وعضلات متوترة . وتماوجت فوق أكتافهم أطراف كوفياتهم التي لفوّها حول رؤوسهم ورقابهم .
وفي الظهيرة كان فارس يركب في مقدمتنا بين حراسه السود فأعطى الإرشادة بتبادل الركوب . و كان قد رأى
سحابة غبار سببتها على ما يبدو سيارتان تقتربان بسرعة .
وفي لمح البصر رمى سبعة وستون رجلاً قوياً أنفسهم - وبنادقهم في أيديهم - من ظهور الجمال إلى ظهور
الجياد وسحبوا الأرسنة من أحزمة الجمـال .
ثم غرسوا أكعابهم العارية في جوانب خيولهم وأنطلقوا إلى الأمـام , وضاعوا في سحابة من الغبار تاركين
فرسان الجمال خلفهم الذين لا يسمعون سـوى الصيحات الحماسية وصهيل الخيول وطرقات حوافرها . أنطلاقة
الخيول الجنونية جعلت فرسي « سـادها » متحفزة فسحبت رسنها وأفهمتني بأنها تريد المشاركة أيضاً . تناولت
بندقيتي الموزر وقفزت من ظهر ذلولي إلـى ظهرهـا . وأستجابت بصهلة لضغط ساقيّ , وأنطلقت وراء الآخرين
كالغزال عندما ناديـت أســمها ووجهي تقريباً يلامس شعر رقبتها . واقتربت أكثر فأكثر من العصبة الهادرة
أمــامي وسرعان ما تجاوزت المؤخرة ولحقت بفارس وحرسه .
وظهرت الآن السيارتان فوق تلة وأدركنـا على الفور أنهمـا سيارتان الرولة الحربيتان فوقفنا جميعاً وأنتظرنا
وصولهما . وثبت أنهما تحملان الأمير فواز نفسه يرافقه محجم وعدة رجال آخرين . لقد قبضوا في جوار
المضارب على كشاف من بني صهر فرفض الإجابه عن الإسئله . ومنع الأمير رجاله من أنتزاع المعلومات منه
بالتعذيب . ومنذ ظهور الجاسوس في تلك المنطقة وجد الأمير الشاب من المنطقي الأستنتاج بأن قبيلة بني صخر
قد حملت السلاح ضد الرولة المهددة من الجهة الأخرى من البشري أيضاً . ولذلـك قسم قواتنـا : ثلـث القوات
الآن بقيادة محجم تبقى لمواجهة البشري , والثلث الآخر بقيادة فارس ينحرف إلى الجنوب الشرقي ضد بني
صخر .
وبالطبع وضعت نفسي تحت إمرة فارس . وقبل أفتراقنا عن الآخرين أشتريت ناقة سباق رائعه عمرها ست
سنوات كان صاحبها الرولي قد غنمها من الشرارات , وهي ذلول غبراء لها رأس أسد وعينا غزال واسعتان .
لقد هِمْتُ بحب هذا الحيوان الرائع من النظرة الأولى . كانت موضع اعتزاز صاحبها وكلفتني أكثر مما حملت
بدفعه شراء ناقة سباق - 65 جنيهاً استرلينياً - ولكنها كانت تستحق هذا المبلغ .
وأجمل شيء فيها وما سحرني أكثر من أي شيء آخر هو الخط المثالي الطويل للظهر , وخط المعدة المرتفع من
عظم الصدر حتى الفخذين الخلفيين .
وهذا البنيه السباقيه منحتها حرية للخطوات الرائعه : متناسقة وخفيفة - سلسة وواسعة . كانت سريعة ولا
تعرف الكلل سواء في العدو أو في الخبب كما برهنت على ذلك يوم اشتريتها . إنها لمعتة عظيمة أن يُتاحَ المرء
ركوب الحيوان الأصيل . حقاً إن شرائي لها كان صفقة موفقة .
إنها نحيلة ولكن لها قدرة احتمال غريبه على الرغم من أنها كانت مثقلة في أغلب الأحيان , وعلى الرغم من
حجمها وبنيتها الخفيفة وعظامها الصغيرة فإنها حملت أثقالاً عظيمة . ومن حيث الحيوية كانت تضاهي أكبر
وأقوى جمال السباق . ودون أن تفقد أية ذرة من رشاقتها وجمال منظرها حملتني هذه الناقة الأصيلة لعدة
أسابيع في تلك المسيرة الشاقة في المنفوذ والعودة إلى المضارب دون أن تفقد بشرتها المخملية لمعانها .
وحتى نفسها الحلو كان أبهج من نفس أي حيوان آخر من جمال السباق التي خبرتها . كان فخذها ورقبتها
وساقاها نحيلة وسنامها صغير ولكنه صلب , وصوتها رقيق حنون سواء في القرقرة أو النشيج .
وكانت على العموم تخاطبني بواسطة عينيها الناطقتين , أو بدفعة رقيقة من أنفها على كتفي او ساقي . وكانت
تحب كثيراً أن تحكّ جسمها عليّ وتلعب معي .
وفي الليل أثناء أجترارها تكنكن وتلتوي بذكاء لتؤمن لي منامة مريحة بجانب جسمها الدافئ .
كان شدادها المزركش المصنوع من خشب الأكاسيا المرصَّع بالفضة , والمساند الجلدية الثلاثة , وجلود الأغنام
, لا يزال مستقراً فوق أرض غرفتي , وكثيراً ما أجلس عليه في المساء وأقرأ أو أحلم بمها الشرارية السريعة
. وعلى جدران غرفتي برز كشات شدادها وخِرَجَتِها الشـَّعرية الكبيرة تتدلى حتى بطن مها , وتتأرجح بانسجام
مع مشيتها . ولا أزال أحتفظ برشمتها أيضاً - تلك الرشمة الصوفية الجميلة الملونة بالأحمر والأزرق فوق
خلفية سوداء .
واتجهنا نحو الجنو ب يصيح بعضنا على بعض بسرور , ونغني أغاني الجمال . في الجزيرة العربية لا يحتاج
المرء إلى مهماز أو كرباج لحثّ الخيول أو الجمال . فأغاني الراكبين الإيقاعية البهيجة , وحَوْرَبتهم المرحـــة ,
وأصواتهـم الرخيمة الصافية تكفي . فالصوت العربي يختلف تماماً عن النعيب الرتيب الناعس الأخن عند
المصريين والسوريين , وأغاني الجمال ( الحداء ) البدوي أيضاً منغّم وجريء ومسترجل ; مما يجعل الجمال
والخيول تحبُّ هذه التسلية . أثناء المسيرات يُغَنُّون ساعات وساعات - هؤلاء الراكبون النحاف الأشداء .
ولكنهم غالباً ما يصمتون عندما يضنيهم الجوع والعطش والغبار , وعندما يكون من المناسب حماية الفم
والأنف من الحرارة والرمال . *** الرجاء حفظ حقوق النشر
اخوكم / طارق الرويلي |