عرض مشاركة واحدة
قديم 09-29-2006, 04:30 PM   #9
: الادارة :


الصورة الرمزية RWLH
RWLH غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Sep 2006
 أخر زيارة : 03-16-2012 (02:04 AM)
 المشاركات : 4,501 [ + ]
 التقييم :  10
Smile الفصل الخامس ( حب في الصحراء )



حب في الصحراء

إنه فصل الخصب العظيم هنا في الجنوب قرب وادي السرحان . فالمطر والزخّات الرعديه فوق كل الأراضي , أصبح وجه الأرض واحداً عظيماً . وضروع

النوق المنتفخه يتصبب منها الحليب . وصغار الإبل كثيرة - مخلوقات مضحكة خرقاء طويلة الساقين - وملأ الجو خليط من الأصوات يمتزج بالهوادج التي

تئن وتصر على ظهور الجمال التي تظهر من تحت ظلالها الأمهات السعيدات يداعبن أطفالهن .

إنه ربيع السنة عندما تنبض الطبيعة بالحياة . فالنساء يدلن الأطفال في الخيام وفي الظلال بين الحيوانات الحبلى أيضاً بالصغار , وفي الشجيرات الصغيرة

وأعشاب الجمال يمكن أن يسمع المرء زقزقة صغار طيور الصحراء وصغار الحباري . والصحراء القديمة الذابلة جددت نفسها بأعجوبة وأصبحت جميلة

من جديد مع تفتح الصبا .

وقبلات المطر والشمس تداعب عشرات الآلاف من الورود . وغمر التلال والوديان ضباب شفاف من الفضة والخضرة , وتألق اخضرار المراعي التي

تناثرت فيها الورود في الانهدامات العريضة فبدت أعمق وأغني . والنسمات الربيعية النعامة العابقة بالمطر هبت خفيفة فوق الأرض الفاتنة , وكانت

عيون الرعاة برّاقة بالإمتنان , وعلى الرغم من ذلك فإن النساء - صباحاً بعد صباح - يسحبن أعمدة الخيام من تحت السقوف المثناة ويطوين الخيام

الشعرية ويضعنها على الجمال القوية .

وتبرز إحدى الذكريات من تلك الأيام التي تتحرك فيها الشمس شمالاً وتتحرك معها القبيلة وهي الأيام التي ذهب فيها فارس يومياً تقريباً لزيارة خطيبته .

في صباح أحد تلك الأيام قال لي فارس : « دعنا نذهب للصيد » وطلب من « مناحي » ان يناوله بندقية الصيد الآليه التي كنت قد أعطيتها له كتذكار .

واتجهنا نحو فرسينا اللتين وقفتا بصبر بين الصفوف , فأرخينا رسنيهما وأمتطيناهما ثم أتجهنا نحو السهل .

وعندما أجتزنا قمة إحدى الهضاب رأينا عن بعد قطيعاً من الغزلان يتجه نحونا بسرعة , وكان القطيع يغيب عن بصرنا من آن لآخر , وعندما أقتربت منا

رأينا أنها تهرب من بدوي يطاردها فوق فرس أسمر , كان البدوي بكل وضوح يبغى عزل ظبي أبيض - الزعيم - عن القطيع . ومرة تلو الآخر وجد الظبي

ملجأ له بالأندساس بين الغزلاء المندفعه , ولكن الفرس السمراء كانت سريعة ومدربة والفارس ماهراً . وقد تفرق القطيع وتشرذم عدة مرات أما

الفارس فكان يقترب من طريدته . وهي النهاية أطلق النار على قرب وتعثر الظبي عدة مرات ثم توقف عن الحركة .

وعندما أقتبرنا من الصياد الذي كان يذبح طريدته لاحظنا بدهشة شديدة أن الصياد ليس رجلاً على الأطلاق . فصاح فارس : « بديني إنها فتاة » وحثثنا

فرسينا على الجري وكنت الأول الذي يلاقي الصيادة , نهضت وسكينها الملطخة بدماء الظبي في يدها , ورعت بيدها الأخرى لثامها حتى عينينها لتخفي

ملامحها . ولكني كنت قد عرفتها . فصرخت بسرور : « تويما » , وللحظة لم تظهر سوى عينيها الضاحكتين , ثم تركت لثامها يسقط عن وجهها ومدت

يدها إليّ فسحبتها نحوي وقبلتها على جبهتها .

وتظاهر فارس - الذي لايزال على ظهر فرسه - بالدهشه وصاح برياء تام : « هل تعرف هذه الصبية ياعزيز ! » وجاريته في هزله فهززت رأسي وقلت

« لا . ولكنها تبدو مألوفة أو تشبه فتاة أعرفها » .

ولكن نزق الحب قضى على هذه المسرحية الصغيرة , ترجل فارس عن فرسه وعانق تويما وبدأ يثرثر وليعبر عن فرحته للقائها على غير ميعاد , ثم أخذ

إحدى يديها ووضعها في يدي قائلاً : « هذه أختك ياعزيز لو لم تكن خطيبتي لكانت لك . أليس كذلك يا تويما ؟ » فأومأت بالأيجاب على أستيحاء .

وعندما ساعدها فارس على ربط الظبي فوق مذيلة الفرس لاحظت بدهشة كبيرة أن الفرس لم تجفل من رائحة الدم , فقالت لي تويما إن فارس قد درَّبها .

لقد ركب الفرس في إحدى الغزوات وأرسلها إلى والد تويما مؤخراً كهدية عريس .
كانت الفرس محجّلة وقد سماها فارس « صباح » بسبب لونها - سمراء ذات غزّة بيضاء وقوائم أمامية بيضاء في أسفلها . وصهلت الفرس الجميلة

برقة ووضعت جبهتها على كتف تويما . فقال فارس : « إنها تداعبك » وبعدة طعنات جدية وخبيرة من سكينها قطعت تويا الرأس والرقبة عن جسم الظبي

وأهدت إليّ تذكار الصيد الدموي هذا . ثم التقطت بندقيتها كالشباب وامتطت ظهر الفرس بقفزة واحدة من الجانب وأنحناءة واحدة من جسمها , ورمقتنا

بنظرة وداع خبيثة وابتعدت .

وأمسك فارس بكتفي بقوة وصاح بنشوة « إنها خجولة كالظبي الصغير . هل يعقل ان توجد صبية أخرى بمثل جمالها ؟ » .

وفي اليوم التالي أتى بي فارس لمرافقته لزيارة منزل تويما . وبعد أن تبادلنا عبارات المجاملة مع والدها سرحان ذهبنا إلى خيمة النساء حيث كانت

تويما لوحدها لأن بقية النساء خرجن من الخيمة .

ووضع فارس ذراعيه حول محبوبته قائلة : « يا نعامتي » ثم ألقت برأسها على كتفيه فأجابها : « يا نعامتي الصغيرة » .

وحالاً ناولت تويما محبوبها أحد أرغفة الخبز اليدوية الملفوف كالزلابية , وفي داخلة حلويات صغيرة من صنع تويما ومن النوع التقليدي الذي تقدمه

الفتاة البدوية المخطوبة إلى عريس المستقبل . وقسم فارس الرغيف بنا فيه إلى ثلاثة أقسام ووزعه بيني وبين تويما وبينه . شكرها بجدية ثم لاطف

شعرها وقال : « مقابل هذا سأجمع لك باقة من الورد الذي لن يذبل . وسأحضرها لك أيضاً زوجاً من الخلاخيل الفضية » , ضحكت تويما وقالت : «

أزهار برارينا ليست أكبر من قمة غضبي وأنت تعدني بجمع باقة ورد منها ؟ وأين ستجد الخلاخيل وليس هناك صائغ ؟ » .

فأصر قائلاً : « في الحقيقة يافتاتي الجميلة , ياسيدتي , سأقطف لك باقة من الورود النادرة لتتزينين بها لساعات أفراحنا في الهضاب » .

ولما كانت غير مصدقة سخرت منه عابثة برأسه بسرور حتى انتزعت عقاله وكوفيته ثم صاحت : « لكم أنت مهمل » إذ سقطت ست جديلات شعثاء فوق

كتفيه فجذبته نحوها ووضعت رأسه في حضنها . ثم بدأت تعيد ضفر خصل شعره بطريقة صحيحة , وأخرجت من طرف شالها حفنة من روث الغزال الجاف

مثل براعم الكبر الخضراء الداكنة الصغيرة . وانتشرت منها رائحة الزعتر والبابونج عندما سحقت الكرات بين راحتيها ودلكت المسحوق - مثل

المسحوق العطري على جدائل الشعر . بقي فارس ساكناً بدون كلام . وأخيراً أتمت عملها وأعاد فارس كوفيته وعقاله إلى رأسه ثم أعلن قائلاً : « الآن

جاء دور عزيز » .

وسواء رضيت أم لم أرضِّ كان علي أن أضع رأسي في حضن تويما وأن أسمح لها - بمساعدة فارس - أن تضفر شعر رأسي وأن تدلكه بعطرها الغريب

, ياله من منظر ! إني نادم دائماً على أنني لم أتصور عندئذ . على كل حال فرح فارس وتويما بهذا العمل لدرجة جعلت الناس من الخيام المجاورة يجرون

إلى الخيمة ويضحكون على عزيز رضوان .

وعندما كنا عائدين على مهل إلى مضاربنا في تلك الليلة سمعنا وقع حوافر بعيدة خلفنا . وبدأ الصوت يرتفع فوصل فوج من الفرسان - نحو أثني عشر

بدوياً على جياد سريعة . وفي ضوء القمر رأينا ضفائرهم وكوفياتهم تتراقص وعباءاتهم تتطاير في الهواء . وما إن مرو بجوارنا حتى تجاوزونا ملوحين

ببنادقهم ومحيين كلاً منا بأسمه بأصوات عالية . حثثنا خيولنا وأسرعنا خلفهم إلى خيمة الزعيم .


***



.. الرجاء حفظ حقوق النشر ..
.. اخوكم / طارق الرويلي ..


 

رد مع اقتباس
 
1 2 3 4 5 6 7 9 10 11 13 14 15 16 17 18 19 20 22 24 25 27 29 30 31 34 42 44 47 48 49 66 82 92 94 95 97 98 99 100 101 104 106 107 108 109 111 112 113 115 121 122 123 137 140 141 144 147 148 152 153 154 156 162 164 165 166 167 168 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180