الفصل الخامس ( حب في الصحراء ) حب في الصحراء
إنه فصل الخصب العظيم هنا في الجنوب قرب وادي السرحان . فالمطر والزخّات الرعديه فوق كل الأراضي , أصبح وجه الأرض واحداً عظيماً . وضروع
النوق المنتفخه يتصبب منها الحليب . وصغار الإبل كثيرة - مخلوقات مضحكة خرقاء طويلة الساقين - وملأ الجو خليط من الأصوات يمتزج بالهوادج التي
تئن وتصر على ظهور الجمال التي تظهر من تحت ظلالها الأمهات السعيدات يداعبن أطفالهن .
إنه ربيع السنة عندما تنبض الطبيعة بالحياة . فالنساء يدلن الأطفال في الخيام وفي الظلال بين الحيوانات الحبلى أيضاً بالصغار , وفي الشجيرات الصغيرة
وأعشاب الجمال يمكن أن يسمع المرء زقزقة صغار طيور الصحراء وصغار الحباري . والصحراء القديمة الذابلة جددت نفسها بأعجوبة وأصبحت جميلة
من جديد مع تفتح الصبا .
وقبلات المطر والشمس تداعب عشرات الآلاف من الورود . وغمر التلال والوديان ضباب شفاف من الفضة والخضرة , وتألق اخضرار المراعي التي
تناثرت فيها الورود في الانهدامات العريضة فبدت أعمق وأغني . والنسمات الربيعية النعامة العابقة بالمطر هبت خفيفة فوق الأرض الفاتنة , وكانت
عيون الرعاة برّاقة بالإمتنان , وعلى الرغم من ذلك فإن النساء - صباحاً بعد صباح - يسحبن أعمدة الخيام من تحت السقوف المثناة ويطوين الخيام
الشعرية ويضعنها على الجمال القوية .
وتبرز إحدى الذكريات من تلك الأيام التي تتحرك فيها الشمس شمالاً وتتحرك معها القبيلة وهي الأيام التي ذهب فيها فارس يومياً تقريباً لزيارة خطيبته .
في صباح أحد تلك الأيام قال لي فارس : « دعنا نذهب للصيد » وطلب من « مناحي » ان يناوله بندقية الصيد الآليه التي كنت قد أعطيتها له كتذكار .
واتجهنا نحو فرسينا اللتين وقفتا بصبر بين الصفوف , فأرخينا رسنيهما وأمتطيناهما ثم أتجهنا نحو السهل .
وعندما أجتزنا قمة إحدى الهضاب رأينا عن بعد قطيعاً من الغزلان يتجه نحونا بسرعة , وكان القطيع يغيب عن بصرنا من آن لآخر , وعندما أقتربت منا
رأينا أنها تهرب من بدوي يطاردها فوق فرس أسمر , كان البدوي بكل وضوح يبغى عزل ظبي أبيض - الزعيم - عن القطيع . ومرة تلو الآخر وجد الظبي
ملجأ له بالأندساس بين الغزلاء المندفعه , ولكن الفرس السمراء كانت سريعة ومدربة والفارس ماهراً . وقد تفرق القطيع وتشرذم عدة مرات أما
الفارس فكان يقترب من طريدته . وهي النهاية أطلق النار على قرب وتعثر الظبي عدة مرات ثم توقف عن الحركة .
وعندما أقتبرنا من الصياد الذي كان يذبح طريدته لاحظنا بدهشة شديدة أن الصياد ليس رجلاً على الأطلاق . فصاح فارس : « بديني إنها فتاة » وحثثنا
فرسينا على الجري وكنت الأول الذي يلاقي الصيادة , نهضت وسكينها الملطخة بدماء الظبي في يدها , ورعت بيدها الأخرى لثامها حتى عينينها لتخفي
ملامحها . ولكني كنت قد عرفتها . فصرخت بسرور : « تويما » , وللحظة لم تظهر سوى عينيها الضاحكتين , ثم تركت لثامها يسقط عن وجهها ومدت
يدها إليّ فسحبتها نحوي وقبلتها على جبهتها .
وتظاهر فارس - الذي لايزال على ظهر فرسه - بالدهشه وصاح برياء تام : « هل تعرف هذه الصبية ياعزيز ! » وجاريته في هزله فهززت رأسي وقلت
« لا . ولكنها تبدو مألوفة أو تشبه فتاة أعرفها » .
ولكن نزق الحب قضى على هذه المسرحية الصغيرة , ترجل فارس عن فرسه وعانق تويما وبدأ يثرثر وليعبر عن فرحته للقائها على غير ميعاد , ثم أخذ
إحدى يديها ووضعها في يدي قائلاً : « هذه أختك ياعزيز لو لم تكن خطيبتي لكانت لك . أليس كذلك يا تويما ؟ » فأومأت بالأيجاب على أستيحاء .
وعندما ساعدها فارس على ربط الظبي فوق مذيلة الفرس لاحظت بدهشة كبيرة أن الفرس لم تجفل من رائحة الدم , فقالت لي تويما إن فارس قد درَّبها .
لقد ركب الفرس في إحدى الغزوات وأرسلها إلى والد تويما مؤخراً كهدية عريس .
كانت الفرس محجّلة وقد سماها فارس « صباح » بسبب لونها - سمراء ذات غزّة بيضاء وقوائم أمامية بيضاء في أسفلها . وصهلت الفرس الجميلة
برقة ووضعت جبهتها على كتف تويما . فقال فارس : « إنها تداعبك » وبعدة طعنات جدية وخبيرة من سكينها قطعت تويا الرأس والرقبة عن جسم الظبي
وأهدت إليّ تذكار الصيد الدموي هذا . ثم التقطت بندقيتها كالشباب وامتطت ظهر الفرس بقفزة واحدة من الجانب وأنحناءة واحدة من جسمها , ورمقتنا
بنظرة وداع خبيثة وابتعدت .
وأمسك فارس بكتفي بقوة وصاح بنشوة « إنها خجولة كالظبي الصغير . هل يعقل ان توجد صبية أخرى بمثل جمالها ؟ » .
وفي اليوم التالي أتى بي فارس لمرافقته لزيارة منزل تويما . وبعد أن تبادلنا عبارات المجاملة مع والدها سرحان ذهبنا إلى خيمة النساء حيث كانت
تويما لوحدها لأن بقية النساء خرجن من الخيمة .
ووضع فارس ذراعيه حول محبوبته قائلة : « يا نعامتي » ثم ألقت برأسها على كتفيه فأجابها : « يا نعامتي الصغيرة » .
وحالاً ناولت تويما محبوبها أحد أرغفة الخبز اليدوية الملفوف كالزلابية , وفي داخلة حلويات صغيرة من صنع تويما ومن النوع التقليدي الذي تقدمه
الفتاة البدوية المخطوبة إلى عريس المستقبل . وقسم فارس الرغيف بنا فيه إلى ثلاثة أقسام ووزعه بيني وبين تويما وبينه . شكرها بجدية ثم لاطف
شعرها وقال : « مقابل هذا سأجمع لك باقة من الورد الذي لن يذبل . وسأحضرها لك أيضاً زوجاً من الخلاخيل الفضية » , ضحكت تويما وقالت : «
أزهار برارينا ليست أكبر من قمة غضبي وأنت تعدني بجمع باقة ورد منها ؟ وأين ستجد الخلاخيل وليس هناك صائغ ؟ » .
فأصر قائلاً : « في الحقيقة يافتاتي الجميلة , ياسيدتي , سأقطف لك باقة من الورود النادرة لتتزينين بها لساعات أفراحنا في الهضاب » .
ولما كانت غير مصدقة سخرت منه عابثة برأسه بسرور حتى انتزعت عقاله وكوفيته ثم صاحت : « لكم أنت مهمل » إذ سقطت ست جديلات شعثاء فوق
كتفيه فجذبته نحوها ووضعت رأسه في حضنها . ثم بدأت تعيد ضفر خصل شعره بطريقة صحيحة , وأخرجت من طرف شالها حفنة من روث الغزال الجاف
مثل براعم الكبر الخضراء الداكنة الصغيرة . وانتشرت منها رائحة الزعتر والبابونج عندما سحقت الكرات بين راحتيها ودلكت المسحوق - مثل
المسحوق العطري على جدائل الشعر . بقي فارس ساكناً بدون كلام . وأخيراً أتمت عملها وأعاد فارس كوفيته وعقاله إلى رأسه ثم أعلن قائلاً : « الآن
جاء دور عزيز » .
وسواء رضيت أم لم أرضِّ كان علي أن أضع رأسي في حضن تويما وأن أسمح لها - بمساعدة فارس - أن تضفر شعر رأسي وأن تدلكه بعطرها الغريب
, ياله من منظر ! إني نادم دائماً على أنني لم أتصور عندئذ . على كل حال فرح فارس وتويما بهذا العمل لدرجة جعلت الناس من الخيام المجاورة يجرون
إلى الخيمة ويضحكون على عزيز رضوان .
وعندما كنا عائدين على مهل إلى مضاربنا في تلك الليلة سمعنا وقع حوافر بعيدة خلفنا . وبدأ الصوت يرتفع فوصل فوج من الفرسان - نحو أثني عشر
بدوياً على جياد سريعة . وفي ضوء القمر رأينا ضفائرهم وكوفياتهم تتراقص وعباءاتهم تتطاير في الهواء . وما إن مرو بجوارنا حتى تجاوزونا ملوحين
ببنادقهم ومحيين كلاً منا بأسمه بأصوات عالية . حثثنا خيولنا وأسرعنا خلفهم إلى خيمة الزعيم . *** .. الرجاء حفظ حقوق النشر ..
.. اخوكم / طارق الرويلي .. |