عرض مشاركة واحدة
قديم 09-28-2006, 07:34 PM   #8
: الادارة :


الصورة الرمزية RWLH
RWLH غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Sep 2006
 أخر زيارة : 03-16-2012 (02:04 AM)
 المشاركات : 4,501 [ + ]
 التقييم :  10
Smile الفصل الرابع ( ملاقاة أخي في الدم ثانية )



ملاقاة أخي في الدم ثانية

أبتسم الهدوء والسعادة على العالم . وهنا وهناك لمعت بركة مطر في انهدام . بينما الشمس والريح جففت قمم التلال . وانتصبت أمامنا زوبعة كنست الأرض كالمكنسة , واقتلعت الأعشاب والورود الصغيرة أو أختطفتها أو مزقتها , وخلفت وراءها أثراً متكسّراً كأثر حيه ضخمة . اما نحن فقد غطانا الغبار والطلع .
كانت أصوات الهدهد تنبعث من بين الأعشاب بينما كانت الحبارى وطيور الحجل مشغولة بإصطياد اليرقات الحمراء الناعمة .
وفجأة عند وصولنا قمة إحدى الهضاب رأينا خياماً سوداً في أسفل السفح المقابل . بعد قليل سأرى الأمير فواز ثانية .

وانتصبت خيمة المضافة بعيداً عن المكان الذي كانت فيه , تلك الخيمة التي استمتعت فيها بضيافة نواف وتعرفت على ابنه فواز الصغير قبل سنوات طويلة مثيرة . ومع ذلك فقد بدا كل شيء على حاله , وشعرت وكأني أعود إلى ذلك الزمان والمكان . وبدت نفس الصفوف المتناثرة من الخيام السود الصغيرة المفتوحة من الأمام , ونفس قطعان الجمال المنتشرة في الصحراء اللامتناهية تحت أشعة الشمس البراقة . ووسائد شداد الجمال التي اتكأت عليها في خيمة الضيوف , والنار في الموقد حيث يغلي ماء القهوة بدت نفسها دون تغيير , وجناح النساء في الخيمة بما فيه من السروج والخرج والفرشات والوسائد وما إلى ذلك كلها بدت كما رأيتها آخر مره .

وعلى يسار خيمة الضيوف انتصبت خيمة اخرى , وخرج من الخيمة بدوي شاب بملابس عادية , ولكنه محاط بأربعة عبيد يحملون صقور الصيد , وإلى جانبهم مجموعة من كلاب الصيد السلوقية . وعندما توجهت لملاقاته تملكني شعور غريب من الوهم . لقد عرفت بالطبع من هو ولكني في تلك اللحظه لم أستطع أن أشعر بأن هذا الشيخ المهيب الذي يتقدم نحوي بوقار ذلك الصبي الصغير اللعوب , ذلك المتشرد المتسخ المحبب الذي أخرجناه ذات ليلة من خرج الجمل . ولكنني على الفور ادركت شيئاً واحداً : فواز لم يعرفني ' وأسمي - كما يقتضي واجب الضيافة العربية - لم يلفظه احد بعد وإن أخبار مقدمي لم تسبقني إليه .

ورمى أحد العبيد سجادة صغيرة على قدمي وهي سجادة سوداء ذات إطار مزخرف وملون . عند هذا الرمز الصغير المقدس تبادلت التحيات مع الامير .
ووضع يده اليمنى على قلبه وقال : « سلام الله عليك » ثم قادني إلى داخل الخيمة .

فرش العبيد الأربعة سجادة المناسبات الثمينة فغطت أرض الخيمة كلها .
وعلى الجانب الآخر من الموقد تكدست كومة عظيمة من جلود الغنم والسجاد والوسائد تجاه أسرجة الجمال , لتكون ديواناً رائعاً وهو عرش زعيم الصحراء .
خلع فواز صندله وأشار إلي بالجلوس إلى يمينه , وأصطف الوجهاء والعبيد وأفراد حرس الأمير على السجادة العظيمة . ولم يتكلم أجد على الأعين أتجهت نحو القهوجي الذي نبش بضع جمرات من رماد الموقد , وأضاف كمية جديدة من بعر الجمال الجافة , وقطع صوت الماء الغالي في وعاء القهوة الكبير السكون السائد .
وأخذ خادم الأمير الخاص « مناحي » عوداً من البخور من ثنايا كوفيته وقطع قطعة منه وألقاها على جمر بعر الجمال المتعوهج . إنه نفس الشخص الذي فرش سجادة اللقاء . وعبر قماش السقف الأسود تسللت أشعة الشمس الضعيفة ورسمت صورة من الأضواء والظلال على الأرض . وتحلق الوجهاء والفرسان والعبيد على شكل نصف دائرة صامته , ومقابل هؤلاء الأشخاص المقرفصين كان « مناحي » وحده واقفاً . أتخذ مكانه على يساره سيّده ووقف هناك بلا حراك وقبضة إحدى يديه القويتين على مقبض سيفه الفضي .

واسترقت النظرات الخفيه إلى مضيفي . فقد أحاطت كوفيته بوجه نسائي بيضوي له ملامح منتظمة وأنف معقوف قليلاً يدل على نسبة الأصيل , وعيناه السوداوان الواسعتان البراقتان يعلوهما حاجبان كثيفان تحت شارب الأسود الصغير . وكلما أكثر من النظر إلى هذا الشاب الرومانتيكي تعرفت فيه على ذلك الأخ القديم الصغير الجريء . وقد كلفني الكثير من جهد الإرادة لأكبح جماح قلة أصطباري وعدم الإعلان عن نفسي , ولكن كان علي أن أنتظر اللحظة المناسبة . فحتى الآن لم ينبس أحد ببنت شفة , وكلما بدا - أو تظاهر بذلك - بأنه مهتم حصراً بالقهوجي الذي مازال يجهز القهوة قرب الموقد . وفقاً لآداب السلوك في الصحراء يعتبر إثقال الضيف بالأسئلة الشخصية من أبواب عدم اللياقة . وأخيراً قدَّم لي فواز المفتاح المنتظر بأن التفت إليَّ فجأة وقال : « مهما كانت البلاد التي أتيت منها أيها الغريب فمرحباً بك » . فأجبته : « أيها الأمير فواز ! لا يمكن أُدعى غريباً بين قومك . لأنني في يوم من الأيام وفي هذه الخيمة نفسها عرفت صبياً أطول قليلاً عندئذ من هذا السيف تحت قبضة خادمك . وبعد ظهر أحد الأيام عندما كان ذلك الصبي وأصدقاؤه يرمون بالمقلاع حدث - بمشيئة الله - أن أقتربت من ذلك المكان فأصابتني حصاة رمتها يد ذلك الصبي تماماً بين العينين . وكان بإمكان أي شخص أن يقول إن الله وضع نور الدم علامة على جبهتي ولذلك طالبت عندها بثمن باهظ لدمي » .

أصغى فواز برأس مطرق وعينين خفيضتين كما لو كان يتذكر ثم رفعهما ثانية , وحدّق فيّ لحظة كما لو كان في غيبوبة . ثم أضاء وجهه وقفز واقفاً يصرخ من الفرح وأمسك بكتفي وضمني إلى صدره صائحاً « عزيـز » مستعملاً الأسم الذي أطقلته عليَّ قبيلته في أيام طفولته « عزيز ! لقد عدت ! الحمد لله ! » . وقبلني على الخدين وضمني إليه مرة بعد مرة وقال : « الآن فهمت الكلمات التلي تعلمتها من أستاذي ( أنت يا من يتبع ببصره جناح الطير أو مسار حصاة تطلقها يدك ماذا تعلم من تدابير الله ؟ » .

نعم لقد عدت . وأصبحت ثانية بين البدو لأرحل ثانية مع قطعانهم ولأنام تحت سقوف خيامهم , ولأقطع فرسخاً بعد فرسخ راكباً على جمال السباق تحت الشمس والنجوم , ولأعدو على ظهر خيولهم الأصيلة التي « تشرب الريح » وإلى جانب مواكبنا تحري كلاب الصيد السلوقي .


***

.. الرجاء حفظ حقوق النشر ..
.. اخوكم / طارق الرويلي ..


 
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 09-29-2006 الساعة 04:33 PM

رد مع اقتباس
 
1 2 3 4 5 6 7 9 10 11 13 14 15 16 17 18 19 20 22 24 25 27 29 30 31 34 42 44 47 48 49 66 82 92 94 95 97 98 99 100 101 104 106 107 108 109 111 112 113 115 121 122 123 137 140 141 144 147 148 152 153 154 156 162 164 165 166 167 168 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180