الفصل الرابع ( ملاقاة أخي في الدم ثانية ) ملاقاة أخي في الدم ثانية
أبتسم الهدوء والسعادة على العالم . وهنا وهناك لمعت بركة مطر في انهدام . بينما الشمس والريح جففت قمم التلال . وانتصبت أمامنا زوبعة كنست الأرض كالمكنسة , واقتلعت الأعشاب والورود الصغيرة أو أختطفتها أو مزقتها , وخلفت وراءها أثراً متكسّراً كأثر حيه ضخمة . اما نحن فقد غطانا الغبار والطلع .
كانت أصوات الهدهد تنبعث من بين الأعشاب بينما كانت الحبارى وطيور الحجل مشغولة بإصطياد اليرقات الحمراء الناعمة .
وفجأة عند وصولنا قمة إحدى الهضاب رأينا خياماً سوداً في أسفل السفح المقابل . بعد قليل سأرى الأمير فواز ثانية .
وانتصبت خيمة المضافة بعيداً عن المكان الذي كانت فيه , تلك الخيمة التي استمتعت فيها بضيافة نواف وتعرفت على ابنه فواز الصغير قبل سنوات طويلة مثيرة . ومع ذلك فقد بدا كل شيء على حاله , وشعرت وكأني أعود إلى ذلك الزمان والمكان . وبدت نفس الصفوف المتناثرة من الخيام السود الصغيرة المفتوحة من الأمام , ونفس قطعان الجمال المنتشرة في الصحراء اللامتناهية تحت أشعة الشمس البراقة . ووسائد شداد الجمال التي اتكأت عليها في خيمة الضيوف , والنار في الموقد حيث يغلي ماء القهوة بدت نفسها دون تغيير , وجناح النساء في الخيمة بما فيه من السروج والخرج والفرشات والوسائد وما إلى ذلك كلها بدت كما رأيتها آخر مره .
وعلى يسار خيمة الضيوف انتصبت خيمة اخرى , وخرج من الخيمة بدوي شاب بملابس عادية , ولكنه محاط بأربعة عبيد يحملون صقور الصيد , وإلى جانبهم مجموعة من كلاب الصيد السلوقية . وعندما توجهت لملاقاته تملكني شعور غريب من الوهم . لقد عرفت بالطبع من هو ولكني في تلك اللحظه لم أستطع أن أشعر بأن هذا الشيخ المهيب الذي يتقدم نحوي بوقار ذلك الصبي الصغير اللعوب , ذلك المتشرد المتسخ المحبب الذي أخرجناه ذات ليلة من خرج الجمل . ولكنني على الفور ادركت شيئاً واحداً : فواز لم يعرفني ' وأسمي - كما يقتضي واجب الضيافة العربية - لم يلفظه احد بعد وإن أخبار مقدمي لم تسبقني إليه .
ورمى أحد العبيد سجادة صغيرة على قدمي وهي سجادة سوداء ذات إطار مزخرف وملون . عند هذا الرمز الصغير المقدس تبادلت التحيات مع الامير .
ووضع يده اليمنى على قلبه وقال : « سلام الله عليك » ثم قادني إلى داخل الخيمة .
فرش العبيد الأربعة سجادة المناسبات الثمينة فغطت أرض الخيمة كلها .
وعلى الجانب الآخر من الموقد تكدست كومة عظيمة من جلود الغنم والسجاد والوسائد تجاه أسرجة الجمال , لتكون ديواناً رائعاً وهو عرش زعيم الصحراء .
خلع فواز صندله وأشار إلي بالجلوس إلى يمينه , وأصطف الوجهاء والعبيد وأفراد حرس الأمير على السجادة العظيمة . ولم يتكلم أجد على الأعين أتجهت نحو القهوجي الذي نبش بضع جمرات من رماد الموقد , وأضاف كمية جديدة من بعر الجمال الجافة , وقطع صوت الماء الغالي في وعاء القهوة الكبير السكون السائد .
وأخذ خادم الأمير الخاص « مناحي » عوداً من البخور من ثنايا كوفيته وقطع قطعة منه وألقاها على جمر بعر الجمال المتعوهج . إنه نفس الشخص الذي فرش سجادة اللقاء . وعبر قماش السقف الأسود تسللت أشعة الشمس الضعيفة ورسمت صورة من الأضواء والظلال على الأرض . وتحلق الوجهاء والفرسان والعبيد على شكل نصف دائرة صامته , ومقابل هؤلاء الأشخاص المقرفصين كان « مناحي » وحده واقفاً . أتخذ مكانه على يساره سيّده ووقف هناك بلا حراك وقبضة إحدى يديه القويتين على مقبض سيفه الفضي .
واسترقت النظرات الخفيه إلى مضيفي . فقد أحاطت كوفيته بوجه نسائي بيضوي له ملامح منتظمة وأنف معقوف قليلاً يدل على نسبة الأصيل , وعيناه السوداوان الواسعتان البراقتان يعلوهما حاجبان كثيفان تحت شارب الأسود الصغير . وكلما أكثر من النظر إلى هذا الشاب الرومانتيكي تعرفت فيه على ذلك الأخ القديم الصغير الجريء . وقد كلفني الكثير من جهد الإرادة لأكبح جماح قلة أصطباري وعدم الإعلان عن نفسي , ولكن كان علي أن أنتظر اللحظة المناسبة . فحتى الآن لم ينبس أحد ببنت شفة , وكلما بدا - أو تظاهر بذلك - بأنه مهتم حصراً بالقهوجي الذي مازال يجهز القهوة قرب الموقد . وفقاً لآداب السلوك في الصحراء يعتبر إثقال الضيف بالأسئلة الشخصية من أبواب عدم اللياقة . وأخيراً قدَّم لي فواز المفتاح المنتظر بأن التفت إليَّ فجأة وقال : « مهما كانت البلاد التي أتيت منها أيها الغريب فمرحباً بك » . فأجبته : « أيها الأمير فواز ! لا يمكن أُدعى غريباً بين قومك . لأنني في يوم من الأيام وفي هذه الخيمة نفسها عرفت صبياً أطول قليلاً عندئذ من هذا السيف تحت قبضة خادمك . وبعد ظهر أحد الأيام عندما كان ذلك الصبي وأصدقاؤه يرمون بالمقلاع حدث - بمشيئة الله - أن أقتربت من ذلك المكان فأصابتني حصاة رمتها يد ذلك الصبي تماماً بين العينين . وكان بإمكان أي شخص أن يقول إن الله وضع نور الدم علامة على جبهتي ولذلك طالبت عندها بثمن باهظ لدمي » .
أصغى فواز برأس مطرق وعينين خفيضتين كما لو كان يتذكر ثم رفعهما ثانية , وحدّق فيّ لحظة كما لو كان في غيبوبة . ثم أضاء وجهه وقفز واقفاً يصرخ من الفرح وأمسك بكتفي وضمني إلى صدره صائحاً « عزيـز » مستعملاً الأسم الذي أطقلته عليَّ قبيلته في أيام طفولته « عزيز ! لقد عدت ! الحمد لله ! » . وقبلني على الخدين وضمني إليه مرة بعد مرة وقال : « الآن فهمت الكلمات التلي تعلمتها من أستاذي ( أنت يا من يتبع ببصره جناح الطير أو مسار حصاة تطلقها يدك ماذا تعلم من تدابير الله ؟ » .
نعم لقد عدت . وأصبحت ثانية بين البدو لأرحل ثانية مع قطعانهم ولأنام تحت سقوف خيامهم , ولأقطع فرسخاً بعد فرسخ راكباً على جمال السباق تحت الشمس والنجوم , ولأعدو على ظهر خيولهم الأصيلة التي « تشرب الريح » وإلى جانب مواكبنا تحري كلاب الصيد السلوقي . *** .. الرجاء حفظ حقوق النشر ..
.. اخوكم / طارق الرويلي .. |