عرض مشاركة واحدة
قديم 09-26-2006, 04:07 PM   #7
: الادارة :


الصورة الرمزية RWLH
RWLH غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Sep 2006
 أخر زيارة : 03-16-2012 (02:04 AM)
 المشاركات : 4,501 [ + ]
 التقييم :  10
Smile الفصل الثالث ( الراعية الوحيدة )



الراعية الوحيدة

في صباح اليوم التالي انطلقنا - انا وفارس - على ظهور الخيل لأن رئيس المضارب أعارنا فرسين . وتكسّرت أغصان الخزامى والبابونج الدقيقة تحت

حوافر الخيل بصوت يشبه حفيف الحرير . وامتدت السهوب حولنا فوق التلال والسهول الفسيحة التي زارتها الأمطار , ولكن مامن أثر للإنسان هناك فلا

هجرات بدوية ولا رعاة يسوقون قطعانهم . فكل ما يمكن تلمسه هو روعة الصحراء البكر .

أطلت شمس الغروب علينا من بين السحب الرعدية . وتراقص الشرق المعتم بالبرق الخلَّبِيّ وقصف الرعد من بعيد وتراكضت بعض السحب الرمادية

أمام رياح المساء مع حلول الظلام .

وعندما شددنا الأعنة فوق قمة إحدى الهضاب أتانا من الأعلى صوت يشبه ضربات الأجنحه العملاقة , إنها الرياح الدافئة تدفع اماها زخَّة ربيعية .

ونصبت فرسي « سادها » أذنيها بفضول وتراقصت بقلق , وضربت الأرض بحوافرها وحنت رأسها وصهلت برقّة . وبعد ذلك هزت عرفها وضربت بذيلها

على جانبيها الضامرين ورفعت عنقها نحو الأعلى . لقد أكتشفت حواسها الحادة - كحواس كلاب الصيد - شيئاً .

وهرولـت نحو الأمام بقوائم خفيفه وأذنين منتصبتين وخياشم متسّعة واتجهت نحو نار صغيرة ظهرت لنا فجأة بين الظلال المتشابكة للسماء والأرض .
ثم أخفتها زخة جديدة من المطر ثانية , وبعد أنقطاعها رأينا أيضاً قطيعا ً محتشداً من الغنم بللته الامطار . واعترض كلبان ضخمان أقترابنا بنباحهما

الغاضب . وأتانا صوتأمرأة من قرب النار يقول : « من هناك ؟ » وباستعمال يدي المبلّلتين كبوق لكلام صرخت بعكس الريح بأعلى صوتي «أصدقاء» .
- ومن معكم ؟
-الله وحده -
- عليكم السلام ورحة الله وبركاته -
خرجت صبية بدوية من خيمة صغيرة طالبة من كلبيها الأبتعاد عندما ترجلنا . وأخذنا فرسينا ووضعت أمامها وعاء من الحليب , وسمحت لنا بالأقتراب

من النار التي فرقعت بشدة لأن كل قطرات المطر الثقيلة سقطت فوقها , فامتلأ هواء الخيمة بدخانها اللاذع . وبدت الخيمة بجانب النار مأوى صغيراً

لايكاد يستحق أسم خيمة , إذ كانت قطعة واحدة من قماش شعر الماعز الخشن طأنها مجرد ستارة مطر لوقاية الراعية وكلبيها . وفي داخل الخيمة التجأ

حمل صغير وأمه التي كسرت ساقها . فجبرت الساق وثبُّتها ببعض الأغصاب وبضماد القماش . بينما كانت الفتاة تراقب معالجتي بعينيين ملهفتين .

كانت الفتاة في السادسة عشرة من عمرها : جميلة للغاية رشيقة مثل كل النساء البدويات , وقد أصطبغت وجنتاها اللتان لفحتهما الشمس بالدم . وكان

شعرها الكثيف الناعم وأنفها الشامخ , يشيران إلى أن الفتاة يشيران من نسل إسماعيل النقي .

وحسب عادة الصحراء القديمة وضعت أمامها وعاء من حليب الغنم الطازج ثم أستدارت نحوي أولاً وقالت : « أقسم لأختك أنه لن ينالها أي سوء » .

وحدقت في وجهي بعينين واسعتين واثقتين , ولمعت أسنانها البيضاء وتراقصت الغمزات الصغيرة في خدّيها . وأخذت غصناً جافاً من كومة الحطب بجانب

النار وقدمته لي قائلة : « خذ هذا بيدك واحلف بالله الذي يحيي كل شيء » .

وبسرعة نفذت طلبها وتعهدت بحرمة ضيافتها بقسم لا يخرقه حتى الأطفال في الصحراء وهو صيغة أبناء إسماعيل القديمة : « بسن الله . كما أخذ الروح

من هذه القطعة الخشبية الميتة فليأخذ الله روحي مني إذا لم أحافظ على روحك وجسدك وأحميهما يا أختاه » . وبعد أن أقسم فارس أيضاً تشجعت وطلبت

أن نتصرف بحريتنا في خيمتها , ووضعت أمامنا كل ماتملكه من طعام : الخبز والحليب الطازج وبعض الزبدة والتمر المحفف . وبينما كنا نتناول عشاءنا

سحبت إلى الخيمة حملا صغيراً يثغو بأسى ويحاول التحرر منها , وعندما أنحنيت لأمسك بالحيوان أستلت الفتاة خنجري من نطاقي وصاحت : « أذبح لي

هذه الضحية لكي أطبخها لكما » . وأخذت الخنجر المعقوف من يدها ثم تركت الحمل يعود إلى القطيع ولكن الفتاة نظرت إلى لائمة فقلت لها : « لقد

قدمت للغريب كل مايسد الرمق . يشهد الله أننا لا نستطيع أكل حمل كامل . كما أنني لا أرى أي وعاء يمكن أن تطبخي فيه اللحم » فأجابت الفتاة : «

ولكنني أستطيع شوي الكليتين والخصيتين على هذا السفود » .

لحسن الحظ خافت الفتاة من ذبح الحيوان بنفسها مما سهل علينا إقناعها بأنه لا لزوم للضحية . ولكنها كانت تخشى أن يلومها والدها لأنها لم تقم بوجاب

الضيافة البدوية الكاملة . وبدون كلام جلست أما الخيمة وأضرمت لنفسها ناراً صغيرة أضاءت جسدها عندما أنحنت فوقها . وتراقص الضوء على

وجهها الجميل البراق بقطرات المطر فأظهرت صورة رائعة للجمال الطبيعي والصحية .

وعندما أتضح لنا أن الراعية الشابة عزمت على قضاء الليل في العراء والمطر دون وقاية ألححت عليها ألا تخاف وان تقاسمنا الخيمة , بل هددت بأننا

سنرحل إذا لم تفعل , ولكنها لم تأخذ تهديدي على محمل الجد : ضحكت وأجابت بخفة بأنها تستطيع الذهاب إلى خيمة والدها والعودة في الصباح .

وهنا قاطع فارس قائلاً : « من هو والدك ؟ » .

- إنني تويما بنت شاعل بن سرحان , وخيامنا منصوبة من عشرية الفريج .
فأجاب فارس مداعباً : « إن المسافة بعيدة إلى خيمة والدك والوقت ليل فثقي بنا وتمددي هنا عند أقدامنا » .

فقالت الفتاة أخيراً : « وفي الحقيقة لست خائفة . أبقيا عندي ولا ترحلا » .
ونهضت أثناء حديثها ورمت بعض الأغصان على النار وأنتظرت حتى تشب النار .
ثم أنتصبت بقامتها الجميلة المديدة ورمت عباءتها على كتفيها ودخلت الخيمة .
وقفت امامنا وهي تنزع « شالها » وامتدت ذراعاها النحيلان ومعصماها الدقيقان فوق رأسها وبدأ عليها الأطمئنان بينما كانت عيناها السوداوان

ترمقاننا بإستيحاء .

تمددت في حماية الخيمة وخلفي النعجة العرجاء وحملها اللذان وجدا مكاناً دافئاً عند كتفي وفروتي . ونهض فارس عندما دخلت الفتاة وساعدها على نشر

عبائتها المبللة فوق عمود الخيمة وبعد أن هيأت لنفسها « مفرشاً » وأسقلت نشر فارس عباءته عليها . واحتجت الفتاة لكن فارس أشار إلى فروته

وجلود الغنم التي معه مما جعل الفتاة تطيعه وهي ترمقه بنظرة محببة . وكنت انا وفارس مصممين على ألا نخون ثقة تويما فينا سواء بالقول أم بالعمل .

صحت السماء ونشر القمر الهادئ نوره في الصحراء وألقى أضواءه على منحدرات التلال البعيدة بينما أخذت الريح الدافئة تجفف السهوب والأعشاب

والأزهار والأغنا المرتعشة وقماش خيمتنا .

كان فارس وتويما يغطان في نوم عميق كما أدركت من تنفسهما الرتيب أما انا فكنت مستغرقاً بين النوم واليقظة .

وفجأة بدأ الكلبان ينبحان بحدة . وفي لمح البصر أستيقظ فارس وسحب مسدسه من قرابة واندفع خارج الخيمة . ولكن حتى قبل أن يتجاوزه ظل الخيمة

لحقت به تويما ورمت بذراعيها حول حسمه وصاحت محذرة : « لا تطلق النار لأنك ستفزع القطيع . إنها مجرد ذئاب صغيرة وسيطاردها الكلبان » .

ونادت على صخان وقصاب وحثتهما على مطاردت الذئاب . أنزل فارس مسدسه فأخذته تويما وأعادته إلى نطاقة ولكنها لم تتركه . وضغطت على نفسها

بأستحياء عليه وذراعاها تطوقان فخذيه وتراقصت ملابسها بخفة بفعل النسيم الجاف الدافئ .
ونشرت السهوب عطرها فبدأ الجو مشبعاً برائحة تشبه عطر الخزامى . وطلع الفجر يكشف عن أصوات القطيع المحتشدة بعد أن عاد إلى هدوئه ثانية .

ومن البعد أن وصلنا نباح الكلبين الذي أخذ يخفف تدريجياً إذ إن الكلبين مازالا يطاردان الذئاب . وبالقرب منا أخذت فرسانا المربوطتان تقبعان .

وتحرر فارس برقة من ذراعي تويما ثم أخذ بيدها وأدخلها إلى الخيمة حيث جلسا جنباً إلى جنب . وعندما مال نحوها وقبلها من قمة رأسها أستلت تويما

خنجره من غمدة ووضعته على حضنها وقالت : « دع هذا الخنجر يستقر في حضني » . وبهذا ذكرته بعذريتها لأن عفاف الفتاة بين البدو الأصلاء كان

ومازال أثمن فصل في مجموعة قوانين الشرف .
ومن أجل خرق هذا القانون يمكن أن يقتل الأب أبنته والأخ أخته ويطقع لحمها أرباً أرباً .

وأخترقت الشمس حجب الصباح قاذفة أصابعها الملتهبة عبر السماء وأكتست الأرض المظلمة بالحمرة الوردية . فقال لمحبوبته « صباح » ولكن

الصباح أيضاً كلمة شاعرية تعني « العروس البكر » وأمالت تويما خدها على خده .

وهكذا جلسنا بلا حراك ولا كلام . ثم نهضت تويما وسارت نحو قطيعها ولكنها توقفت فجأة وتسمرت في مكانها . واغترفت عينا فارس المفتوحتان من

جمال قامتها التي بدت بوضوح تحت ثنايا ثيابها الرقيقه وقد زادتها أشعة شمس الصباح جمالاً على جمالها , وعندما بدأ فارس بالسير نحوها تضاحكت

وهربت مسرعة واضعة في نفس الوقت شالها حول كتفيها حتى وصلت إلى الأنهدام الذي يرعى فيه قطيعها ويلعب كلباها يتقلّب احدهما فوق الآخر على

الأعشاب النعامة .

وأنتشرت أشعة الشمس الصافية فوق البرية , وفي هذا الجو البلوري والصافي يمكن للعين أن تمسح الآفاق البعيدة عبر الهضاب . وهبت قنبرة سعيدة

ترتفع أكثر فأكثر في نشوة التغريد . وفوق السهوب مازالت تتهادى الرياح الدافئة الناعمة , هذا هو الصباح الذي أستيقظ فيه الحب في قلب فارس . وبعد

الإفطار كان علينا أن نتابع مسيرتنا , أعادت تويما إشعال النار في الموقد وخلطت بعض الدقيق بالماء البارد وجعلت العجين في أرغفة صغيرة رقيقة

وخبزتها على حجار النار , وأثناء الإفطار أخذت تغمس التمر في الزبدة وتضع هذه اللقمات في فم فارس وفي فمي بالتناوب .
- وسألت تويما حبيبها الجديد : « هل ستعود ؟ » .
- فأجابها متسائلاً : « هل ستذكرينني ؟ » .
- فأجابته متسائلها بدورها : « وأنت ؟ » .
ثم قادته من يده نحو فرسه . وعندما رمة نفسه على ظهر الفرس أخفت وجهها عند ساقه وبدأت بالبكاء فانحنى ورفع رأسها بلطف من الذقن ونظر طويلاً

إلى عينيها . ولما تاق وجهها المرتفع نحوه التقت شفاههما للمرة الأولى ولامس جفنها خدّه . وقال لي فارس فيما بعد : « تلمست أسنانها البراقة عندما

فارقت شفتاي شفاتاها فوجدتها كطعم الحليب » .

وصاحت تويما بعد أنطلاقنا : « ابقيا » . فصاح فارس : « يشهد الله أن حبّك منذ الآن سيكون رفيق قلبي الدائم » . فقالت : « السلام عليك يافارس » .

وكلما ألتفتنا إلى الوراء وجدنا تويما واقفة بجانب قطيعها بدون حراك وهي تحدّق فينا . وعند التلة الأخيرة نزع فارس كوفتيه ولوّح بها إلى صورة الفتاة

البعيدة فلوّحت له بشالها بالمقابل .

***

.. الرجاء حفظ حقوق النشر ..
.. اخوكم / طارق الرويلي ..


 
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 09-29-2006 الساعة 04:31 PM

رد مع اقتباس
 
1 2 3 4 5 6 7 9 10 11 13 14 15 16 17 18 19 20 22 24 25 27 29 30 31 34 42 44 47 48 49 66 82 92 94 95 97 98 99 100 101 104 106 107 108 109 111 112 113 115 121 122 123 137 140 141 144 147 148 152 153 154 156 162 164 165 166 167 168 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180