الفصل الثاني ( فارس « صديق الله » ) فارس « صديق الله »
عند بداية الحرب - وبعد أن كنت قد أمضيت بين العرب ثلاث سنوات - عدت إلى موطني الأصلي وعرضت خدماتي كمتطوع في سلاح الفرسان الألماني . ولكنني أرسلت إلى إستنبول وعملت في ظل الهلال التركي أثناء قتال الدردنيل . وفيما بعد ألحقت باللواء الرابع التركي في قناة السويس . وهنا وقعتُ - مثال الكثيرين - ضحية الحمى النمشية , ولكنني شفيت منها بعكس غالبية المرضى . كانت صحتي قد اعتلت كثيراً حتى انني أعدت إلى البلاد كعاجز مرضياً . فالقدر على مايبدو لم يرغب في أن أتورط في حرب الصحراء والسياسات البدوية . أصبت بالملاريا وبخرّاج على الرئة نتيجة للحمى النمشية .
كانت النقاهة الإجبارية مفيدة لي على المدى الطويل فلقد منحني الله جسماً قوياً .
قصة حياتي حتى الآن هي كالتالي : عندما بلغت الثامنى عشرة من العمر ذهبت إلى شمال إفريقية وبعدها بسنة واحده كنت في الجزيرة العربية , وعندما بلغت الحادية والعشرين والنصف أصبح مسرح نشاطاتي في منطقة الدردنيل , وما حولها , وتبع ذلك تجربتي الميرية التي دامت ثمانية أشهر في قناة السويس أعقبتها فترات طويلة من المرض . وعندما أحتفلت بعيد ميلادي الرابع والعشرين كنت مجرد هيكل عظمى تفوح من دمي رائحة الحمّى . وعلى الرغم من أنني لم أكن أستطيع الوقوف على قدميّ فقد عبّرت عن رغبتي في ان أخدم في تركيا ثانية , ولكن السلطات لم ترغب في وجودي هناك . وبدلاً من ذلك أرسلتني إلى روسيا حيث قضيت ثمانية عشر شهراً في معسكرات فرز الأسرى . ووجدتني الخدنة في أوكرانيا بعد أنهيار ألمانيا وثورة بولندا . فضاع كثير مما كنت آمل فيه , فليس لي مستقبل في أوربا . والشرق الأوسط مغلق في وجه الألمان . أتجهت إلى كالفورنيا فوصلتها وليس في جيبي سوى دولار ونصف . وبعد أن بعت عدساتي وآلة تصويري ( هي رفيقاتي في بلاد كثيرة ) في نيويورك لأتمكن من جمع الأجرة إلى سانتا آنّا . وهنا في أرض السمن والعسل والفاكهة والشمس المشرقة أصبح بإمكاني التطلع إلى حياة جديدة مليئة بالصحة والسعادة . عشت في مزرعة حيث قضيت أكثر من ثماني ساعات يومياً على ظهر الخيول . وهكذا أستعدت صحتي وجددت دمائي . وبحلول عام 1926 أصبحت رجلاً جديداً وبدأت أفكاري تتجه نحو الجزيرة العربية . وأخذ حنيني يزداد - إلى البدو . أما زال الأمير فواز على قيد الحياة ؟ كيف تسير أحوال الرولة ؟ ونوري العجوز ؟ وأتى اليوم الذي لم أستطع فيه مقاومة الحنين .
وبالفعل بعد أربعة أسابيع أحتفلت بلقائي بنوري الشعلان ثانية في دمشق , حيث عاش منذ نهاية الحرب العظمى . وفي سن الثمانين مازال شيخ عشيرته على الرغم من أنه يعيش في المدينة ويتلقى دخلاً محترماً من الفرنسيين , وقد أصبح مؤخراً نائباً في البرلمان السوري . وعهد بمشيخة قبيلته في الصحراء إلى حفيده الأمير فواز نفسه . وعلمت أن نوافاً والد فواز وأثنين آخرين من أولا نوري قد ماتوا خلال غيابي .
ولقد دهش نوري كثيراً وسرّ كثيراً لرؤيتي ثانية بصحة جيدة ومعنويات عالية . وقادني إلى غرفته الخاصه التي فرشها حسب ذوقه البدوي . كانت كداخل خيمة بدوية بموقد القهوة وكومة الرماد الأبيض وفرشاتها ووسائدها العديدة القائمة مقابل شداد الجمال التي كانت دافعاً إيجابياً للكسل .
وعلى عمود ارتفاعه متر واحد وقف صقر صيد عريض المنكبين , وقد خبأ أحد مخالبيه تحت ريشه على أستعداد للأنقضاض . ونزع نوري فارس « قبعة » الصقر الجلديه فرمقنا بعينيه الواسعتين السوداوين وبدأيصوت . ثم طلب نوري العجوز حمام وأطلقها في الهواء . وبحركة سريعة كالرق لايمكن للعين متابعتها أنقض الصقر على فريسته ومزقها .
القسوة جزء لايتجزأ من البدوي , فهو يسرّ لرؤية الدم السائل . وبدا كأن نوري يجدد نشاط شباب باللهو بالصقر . في هذا العالم لايصارع الأقوياء أمثالهم بل كثيراً ما يكون الضعفاء ضحايا القسوة الخالصة . وفي الجزيرة العربية خصوصاً لايمكن للمرء ان ينسى ذلك .
وبعد أسبوع أستأنفت رحلتي إذا أعطاني نوري رفيق سفر وحارساً فارس أبن نايف الصعبي , وهو بدوي شمريّ شاب لكي أقوم برحلتي بأماني إلى قبيلة الشيخ العجوز العظيمة بجوار وادي سرحان ورمال صحراء النفوذ الحمراء .
كانمن الغريب أن يكون دليلي إلى الرولة بدوي شمريّ لأن هاتين القبيلتين عدوتان لدودتان لعدة قرون . ولكن عائلة فارس مع الرولة لمدة ستة عشر عاماً بسبب عداوات الدم , وهذا يفسّرسبب حمايتي من قبل شمّري في أراضي اعداء عشيرته الألداء . ولكن هذا الأختيار دلَّل أيضاً على حكمة نوري الشعلان لأن فارس يستطيع حراستي من أعداء الرولة لأنه شمّري , كما أنه يستطيع ضمانتي أما أي رولي لأنه كاتم أسرار نوري .
وفارس هذا رجل فذ ; فمنذ اللحظة الأولى للقائنا عندما قدمني نوري له شعرت بأن ذلك أكثر من معرفة عابرة . فنعومة صوته عندما ألقى علي السلام وقبضة يده القوية كشفت لي في لحظة واحدة نفس هذا البدوي الشاب الطاهرة الصريحة . فَتَحْت عباءته ينبض قلب رقيق وقوي يجعلني أعترف بأنني لم أصادف مثيلاً له بين البشر . وحتى آخر رمق بقي أخلص صديق عرفته . وجه البيضوي النبيل لا يمكن أن ينسى وكذلك عيناه السوداوان اللطيفتان . كما أن شعره ولحيته وعباءته الفضفاضه جعلت منه شخصية أخاذة . وعلى الرغم من رقته وليونته كان فارساً من أشجع وأجسر أبناء إسماعيل , ربما كان يعيش متأخراً على عصره بألفي عـــام .
وبعد أن تركنا ضواحي دمشق القديمة خلفنا قادنا طريقنا عبر بساتين المشمش والزيتون والجوز إلى السهول المفتوحة . وشمخت قمم الجبال السورية المغطاه بالثلوج إلى السماء الزرقاء . الطريق الطينية الجافة الوعرة تخترق الحقول الجرداء والمراعي الرمادية القاحلة . وبعد ذلك وصلنا السهول الفسيحة التي تخترقها شبكة من الطرق المتقاطعه بفوضى مربكة . وعلى حافة السهول ايوجد مخفر جمرك سوري حيث دققت جوازات سفرنا . وأخيراً أصبح بإستطاعتنا التخلي عن الطريق البري والدخول في الصحراء المجهولة دون أية طرق أو علائم . وأنطلقت سيارتنا فوق التربة الصلبة الجافة المفروشة بالحصى بأتجاه الشرق بأستمرار بمحاذاة لسان أرضي بلا نهاية , وبدا أنه ينغمس أعمق فأعمق وسط بحر غامض بلا حدود . وفوقنا كانت السماء صافية , وعلى الجانبين ظهرت العرب كأشباح تخرج من السديم . ولم يكن لديهم سوى القليل من الجمال والخيول , بينما ركب الرجال على الحمير وهذا دليل على صفتهم . كانو من الفواعر , وقد لاحظناهم أثناء اتجاهنا نحو بقعة من الماء تلمع في أنهدام متطاول في الصحراء .
كان السراب كثيراً , وغالباً ماكان خداعاً لدرجة لا يمكن تصديقها . إذ لم يكن من السهولة تمييز برك الأمطار الحقيقية ( التي يبلغ عمقها حوالي القدم فقط والتي تماوج الريح سطوحها ) عن البرك السرابية التي تبدو سطوحها لامعة . وفجأة احظنا أمامنا بعض قطعان الأغنام التي تعبر الأراضي التي يغمرها السيل حتى الصدر . وخففت السرعة أوتوماتيكياً لأنني رأيت فجأة على بعد أقل من مئة ياردة بريق ماء بحيرة ضحلة والسيارة تتجه إليها مباشرة . أدرت عجلة القيادة . وعندها فقط أدركت أن ما رأيناه لم يكن سوى حوض جاف أمتلأ بالهواء الحار البرّاق وبالسرعة القصوى دخلت في الحوض بأتجاه برك المطر .
وأقتربت الأغنام أكثر فأكثر وفي لحظة واحدة تغير الصورة بأكملها .
أختفت البركة الطويله العريضة , ولم يعد هناك أي أثر للماء . وبدلاً من الماء المتلأليء رأينا حولنا كتلة مغبرة من القطعان - آلاف وآلاف من الغنم والماعز - .
وأوقفت السيارة لتمر الحيوانات ووصل إلينا الرعاة بنسائهم وأولادهم وتحصونا بفضول وحيّونا بالسلام . قمت بتوزيع السجاير والحلويات . وبالمقابل أخبرنا البدو الرحل كثيرو الكلام أنهم عائدون إلى مراعيهم الأصليه في الشمال لأن القبائل البدوية الأخرى نازعوهم على منطقتهم . وبعد أبتعادهم أصبحت الصحراء خالية من جديد .
وأمامنا أمتد الحماد . المرتفعات الشمالية من الجزيرة العربية التي بدت أنها تمتد إلى ما لانهاية : أرض منبسطة قاسية ولاشيء هام يغيّر وتيرتها التريبة لمئات الأميال جنوباً وشرقاً . وأثناء أجتيازنا لهذه الأراضي المرتفعة الجافة - ساعة إثر ساعة - كانت تهب امامنا من مراعي الإبل أسراب هائلة من الطيور المهاجرة .
كانت تطير لبضعة مئات من الياردات قبل أن تحط ثانية على الأرض كالسحب .
ولكن جفلت منا حباري الصحراء الخرقاء . كما هبّت امامنا أسراب كبيرة من طيور الطيهوج . هذه الطيور الصحراوية - التي يساوي حجمها الحجل الأوربي - تتغدى بصورة رئيسيه على اليرقات الحمراء اللاهبة التي تتوضع على كل ورقة وساق في البرِّيَّة القاحلة . خرج ذئب صغير من مخبئه كما قفز ثعبان بعيداً عنا . كما صادفنا أيضاً بومة كبيرة وقفت تطرف بعينها بارتباك في ضوء النهار فأوقفنا سيارتنا بالقرب منها .
وفجأة - قبل غروب الشمس - هطلت زخّة من المطر أنعشت الصحراء الصغيرة . قضينا معظم الليل فيستر قاع نهر جاف مستلقين على الرمال .
وفي مساء اليوم التالي بعد قيادة جنونية تطاردنا عاصفة رملية إلى الرولة .
كانت القبيلة الكبير كلّها تهاجر نحو الشمال وخيامها تمتد أبعد من مدى البصر وقطعانها الهائلة منتشره في كل اتجاه . احتوى انهدام ضحل نحو ثمانين خيمة في مختلف الأحجام وواجهاتها المفتوحة كلها بأتجاه الريح , وبينها انتصب أوسع سرداق في الجزيرة العربية ألا وهي خيمة نوري الشعلان الشهيره .
توقفنا هناك وكان سؤالي الأول عن الأمير فواز . ولكن زعيم الرولة الشاب لم يكن في بيته بل كان في زيارة عشيرة تخيّم بعيداً عن المضارب الرئيسية . *** .. الرجاء حفظ حقوق النشر ..
.. اخوكم / طارق الرويلي .. |