عرض مشاركة واحدة
قديم 09-26-2006, 02:33 PM   #6
: الادارة :


الصورة الرمزية RWLH
RWLH غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Sep 2006
 أخر زيارة : 03-16-2012 (02:04 AM)
 المشاركات : 4,501 [ + ]
 التقييم :  10
Smile الفصل الثاني ( فارس « صديق الله » )



فارس « صديق الله »

عند بداية الحرب - وبعد أن كنت قد أمضيت بين العرب ثلاث سنوات - عدت إلى موطني الأصلي وعرضت خدماتي كمتطوع في سلاح الفرسان الألماني . ولكنني أرسلت إلى إستنبول وعملت في ظل الهلال التركي أثناء قتال الدردنيل . وفيما بعد ألحقت باللواء الرابع التركي في قناة السويس . وهنا وقعتُ - مثال الكثيرين - ضحية الحمى النمشية , ولكنني شفيت منها بعكس غالبية المرضى . كانت صحتي قد اعتلت كثيراً حتى انني أعدت إلى البلاد كعاجز مرضياً . فالقدر على مايبدو لم يرغب في أن أتورط في حرب الصحراء والسياسات البدوية . أصبت بالملاريا وبخرّاج على الرئة نتيجة للحمى النمشية .
كانت النقاهة الإجبارية مفيدة لي على المدى الطويل فلقد منحني الله جسماً قوياً .

قصة حياتي حتى الآن هي كالتالي : عندما بلغت الثامنى عشرة من العمر ذهبت إلى شمال إفريقية وبعدها بسنة واحده كنت في الجزيرة العربية , وعندما بلغت الحادية والعشرين والنصف أصبح مسرح نشاطاتي في منطقة الدردنيل , وما حولها , وتبع ذلك تجربتي الميرية التي دامت ثمانية أشهر في قناة السويس أعقبتها فترات طويلة من المرض . وعندما أحتفلت بعيد ميلادي الرابع والعشرين كنت مجرد هيكل عظمى تفوح من دمي رائحة الحمّى . وعلى الرغم من أنني لم أكن أستطيع الوقوف على قدميّ فقد عبّرت عن رغبتي في ان أخدم في تركيا ثانية , ولكن السلطات لم ترغب في وجودي هناك . وبدلاً من ذلك أرسلتني إلى روسيا حيث قضيت ثمانية عشر شهراً في معسكرات فرز الأسرى . ووجدتني الخدنة في أوكرانيا بعد أنهيار ألمانيا وثورة بولندا . فضاع كثير مما كنت آمل فيه , فليس لي مستقبل في أوربا . والشرق الأوسط مغلق في وجه الألمان . أتجهت إلى كالفورنيا فوصلتها وليس في جيبي سوى دولار ونصف . وبعد أن بعت عدساتي وآلة تصويري ( هي رفيقاتي في بلاد كثيرة ) في نيويورك لأتمكن من جمع الأجرة إلى سانتا آنّا . وهنا في أرض السمن والعسل والفاكهة والشمس المشرقة أصبح بإمكاني التطلع إلى حياة جديدة مليئة بالصحة والسعادة . عشت في مزرعة حيث قضيت أكثر من ثماني ساعات يومياً على ظهر الخيول . وهكذا أستعدت صحتي وجددت دمائي . وبحلول عام 1926 أصبحت رجلاً جديداً وبدأت أفكاري تتجه نحو الجزيرة العربية . وأخذ حنيني يزداد - إلى البدو . أما زال الأمير فواز على قيد الحياة ؟ كيف تسير أحوال الرولة ؟ ونوري العجوز ؟ وأتى اليوم الذي لم أستطع فيه مقاومة الحنين .

وبالفعل بعد أربعة أسابيع أحتفلت بلقائي بنوري الشعلان ثانية في دمشق , حيث عاش منذ نهاية الحرب العظمى . وفي سن الثمانين مازال شيخ عشيرته على الرغم من أنه يعيش في المدينة ويتلقى دخلاً محترماً من الفرنسيين , وقد أصبح مؤخراً نائباً في البرلمان السوري . وعهد بمشيخة قبيلته في الصحراء إلى حفيده الأمير فواز نفسه . وعلمت أن نوافاً والد فواز وأثنين آخرين من أولا نوري قد ماتوا خلال غيابي .

ولقد دهش نوري كثيراً وسرّ كثيراً لرؤيتي ثانية بصحة جيدة ومعنويات عالية . وقادني إلى غرفته الخاصه التي فرشها حسب ذوقه البدوي . كانت كداخل خيمة بدوية بموقد القهوة وكومة الرماد الأبيض وفرشاتها ووسائدها العديدة القائمة مقابل شداد الجمال التي كانت دافعاً إيجابياً للكسل .

وعلى عمود ارتفاعه متر واحد وقف صقر صيد عريض المنكبين , وقد خبأ أحد مخالبيه تحت ريشه على أستعداد للأنقضاض . ونزع نوري فارس « قبعة » الصقر الجلديه فرمقنا بعينيه الواسعتين السوداوين وبدأيصوت . ثم طلب نوري العجوز حمام وأطلقها في الهواء . وبحركة سريعة كالرق لايمكن للعين متابعتها أنقض الصقر على فريسته ومزقها .

القسوة جزء لايتجزأ من البدوي , فهو يسرّ لرؤية الدم السائل . وبدا كأن نوري يجدد نشاط شباب باللهو بالصقر . في هذا العالم لايصارع الأقوياء أمثالهم بل كثيراً ما يكون الضعفاء ضحايا القسوة الخالصة . وفي الجزيرة العربية خصوصاً لايمكن للمرء ان ينسى ذلك .

وبعد أسبوع أستأنفت رحلتي إذا أعطاني نوري رفيق سفر وحارساً فارس أبن نايف الصعبي , وهو بدوي شمريّ شاب لكي أقوم برحلتي بأماني إلى قبيلة الشيخ العجوز العظيمة بجوار وادي سرحان ورمال صحراء النفوذ الحمراء .

كانمن الغريب أن يكون دليلي إلى الرولة بدوي شمريّ لأن هاتين القبيلتين عدوتان لدودتان لعدة قرون . ولكن عائلة فارس مع الرولة لمدة ستة عشر عاماً بسبب عداوات الدم , وهذا يفسّرسبب حمايتي من قبل شمّري في أراضي اعداء عشيرته الألداء . ولكن هذا الأختيار دلَّل أيضاً على حكمة نوري الشعلان لأن فارس يستطيع حراستي من أعداء الرولة لأنه شمّري , كما أنه يستطيع ضمانتي أما أي رولي لأنه كاتم أسرار نوري .

وفارس هذا رجل فذ ; فمنذ اللحظة الأولى للقائنا عندما قدمني نوري له شعرت بأن ذلك أكثر من معرفة عابرة . فنعومة صوته عندما ألقى علي السلام وقبضة يده القوية كشفت لي في لحظة واحدة نفس هذا البدوي الشاب الطاهرة الصريحة . فَتَحْت عباءته ينبض قلب رقيق وقوي يجعلني أعترف بأنني لم أصادف مثيلاً له بين البشر . وحتى آخر رمق بقي أخلص صديق عرفته . وجه البيضوي النبيل لا يمكن أن ينسى وكذلك عيناه السوداوان اللطيفتان . كما أن شعره ولحيته وعباءته الفضفاضه جعلت منه شخصية أخاذة . وعلى الرغم من رقته وليونته كان فارساً من أشجع وأجسر أبناء إسماعيل , ربما كان يعيش متأخراً على عصره بألفي عـــام .

وبعد أن تركنا ضواحي دمشق القديمة خلفنا قادنا طريقنا عبر بساتين المشمش والزيتون والجوز إلى السهول المفتوحة . وشمخت قمم الجبال السورية المغطاه بالثلوج إلى السماء الزرقاء . الطريق الطينية الجافة الوعرة تخترق الحقول الجرداء والمراعي الرمادية القاحلة . وبعد ذلك وصلنا السهول الفسيحة التي تخترقها شبكة من الطرق المتقاطعه بفوضى مربكة . وعلى حافة السهول ايوجد مخفر جمرك سوري حيث دققت جوازات سفرنا . وأخيراً أصبح بإستطاعتنا التخلي عن الطريق البري والدخول في الصحراء المجهولة دون أية طرق أو علائم . وأنطلقت سيارتنا فوق التربة الصلبة الجافة المفروشة بالحصى بأتجاه الشرق بأستمرار بمحاذاة لسان أرضي بلا نهاية , وبدا أنه ينغمس أعمق فأعمق وسط بحر غامض بلا حدود . وفوقنا كانت السماء صافية , وعلى الجانبين ظهرت العرب كأشباح تخرج من السديم . ولم يكن لديهم سوى القليل من الجمال والخيول , بينما ركب الرجال على الحمير وهذا دليل على صفتهم . كانو من الفواعر , وقد لاحظناهم أثناء اتجاهنا نحو بقعة من الماء تلمع في أنهدام متطاول في الصحراء .

كان السراب كثيراً , وغالباً ماكان خداعاً لدرجة لا يمكن تصديقها . إذ لم يكن من السهولة تمييز برك الأمطار الحقيقية ( التي يبلغ عمقها حوالي القدم فقط والتي تماوج الريح سطوحها ) عن البرك السرابية التي تبدو سطوحها لامعة . وفجأة احظنا أمامنا بعض قطعان الأغنام التي تعبر الأراضي التي يغمرها السيل حتى الصدر . وخففت السرعة أوتوماتيكياً لأنني رأيت فجأة على بعد أقل من مئة ياردة بريق ماء بحيرة ضحلة والسيارة تتجه إليها مباشرة . أدرت عجلة القيادة . وعندها فقط أدركت أن ما رأيناه لم يكن سوى حوض جاف أمتلأ بالهواء الحار البرّاق وبالسرعة القصوى دخلت في الحوض بأتجاه برك المطر .

وأقتربت الأغنام أكثر فأكثر وفي لحظة واحدة تغير الصورة بأكملها .
أختفت البركة الطويله العريضة , ولم يعد هناك أي أثر للماء . وبدلاً من الماء المتلأليء رأينا حولنا كتلة مغبرة من القطعان - آلاف وآلاف من الغنم والماعز - .

وأوقفت السيارة لتمر الحيوانات ووصل إلينا الرعاة بنسائهم وأولادهم وتحصونا بفضول وحيّونا بالسلام . قمت بتوزيع السجاير والحلويات . وبالمقابل أخبرنا البدو الرحل كثيرو الكلام أنهم عائدون إلى مراعيهم الأصليه في الشمال لأن القبائل البدوية الأخرى نازعوهم على منطقتهم . وبعد أبتعادهم أصبحت الصحراء خالية من جديد .

وأمامنا أمتد الحماد . المرتفعات الشمالية من الجزيرة العربية التي بدت أنها تمتد إلى ما لانهاية : أرض منبسطة قاسية ولاشيء هام يغيّر وتيرتها التريبة لمئات الأميال جنوباً وشرقاً . وأثناء أجتيازنا لهذه الأراضي المرتفعة الجافة - ساعة إثر ساعة - كانت تهب امامنا من مراعي الإبل أسراب هائلة من الطيور المهاجرة .
كانت تطير لبضعة مئات من الياردات قبل أن تحط ثانية على الأرض كالسحب .
ولكن جفلت منا حباري الصحراء الخرقاء . كما هبّت امامنا أسراب كبيرة من طيور الطيهوج . هذه الطيور الصحراوية - التي يساوي حجمها الحجل الأوربي - تتغدى بصورة رئيسيه على اليرقات الحمراء اللاهبة التي تتوضع على كل ورقة وساق في البرِّيَّة القاحلة . خرج ذئب صغير من مخبئه كما قفز ثعبان بعيداً عنا . كما صادفنا أيضاً بومة كبيرة وقفت تطرف بعينها بارتباك في ضوء النهار فأوقفنا سيارتنا بالقرب منها .

وفجأة - قبل غروب الشمس - هطلت زخّة من المطر أنعشت الصحراء الصغيرة . قضينا معظم الليل فيستر قاع نهر جاف مستلقين على الرمال .

وفي مساء اليوم التالي بعد قيادة جنونية تطاردنا عاصفة رملية إلى الرولة .
كانت القبيلة الكبير كلّها تهاجر نحو الشمال وخيامها تمتد أبعد من مدى البصر وقطعانها الهائلة منتشره في كل اتجاه . احتوى انهدام ضحل نحو ثمانين خيمة في مختلف الأحجام وواجهاتها المفتوحة كلها بأتجاه الريح , وبينها انتصب أوسع سرداق في الجزيرة العربية ألا وهي خيمة نوري الشعلان الشهيره .

توقفنا هناك وكان سؤالي الأول عن الأمير فواز . ولكن زعيم الرولة الشاب لم يكن في بيته بل كان في زيارة عشيرة تخيّم بعيداً عن المضارب الرئيسية .


***

.. الرجاء حفظ حقوق النشر ..
.. اخوكم / طارق الرويلي ..


 
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 09-29-2006 الساعة 04:34 PM

رد مع اقتباس
 
1 2 3 4 5 6 7 9 10 11 13 14 15 16 17 18 19 20 22 24 25 27 29 30 31 34 42 44 47 48 49 66 82 92 94 95 97 98 99 100 101 104 106 107 108 109 111 112 113 115 121 122 123 137 140 141 144 147 148 152 153 154 156 162 164 165 166 167 168 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180