عرض مشاركة واحدة
قديم 09-25-2006, 04:52 PM   #5
: الادارة :


الصورة الرمزية RWLH
RWLH غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Sep 2006
 أخر زيارة : 03-16-2012 (02:04 AM)
 المشاركات : 4,501 [ + ]
 التقييم :  10
Smile الفصل الأول ( الأمير فواز أمير الرولة الشاب )



الأمير فواز أمير الرولة الشاب

لوّنت الشمس المشرفة على المغيب بألوانها الرقيقة روابي جبل رواك العارية . في الجنوب الغربي غطّت الخيام السود وقطعان الجمال الغبراء سهل طرف بعد حصاده القريب . وهرول نحونا الرجال المسلحون على ظهور خيولهم الرشيقة عندما اقتربت بصحبة عدة فرسان - ولأول مرة في حياتي - من « المنازل » المنسوجة من شعر الماعز , من مضارب بدو الرولة .

هؤلاء الحراس الفرسان الذين أتوا لملاقاتنا قادونا إلى خيمة عبد عجوز صبغها الدخان . وهنا أستقبلني الأمير نوري الشعلان أمير القبيلة ذو اللحية الرمادية .

وقبل بدء الحرب العظمى الأولى بعامين أستبدل الأمير نوري بخيمته المريحه مخبأً وضيعاً لأحد عبيده , وأختبأ فيه بعد أن أخطر بنشاط المطالبين بالثأر منه وهم رجال من أهله .

فأثناء الصراع على مشيخة القبيلة صرع أحد أخوته بيديه كما قتل عبيده أخاً آخر . وهكذا فإن أبناء القتيلين الذين بلغوا سّن الرشد لم يكونوا فقط يحاولون الثأر لهمها بل أنتزاع المشيخة من نوري الشعلان .

وبينما كان نوري يتهرب من أعدائه في القبيلة كان أبنه الأكبر نواف مسؤولاً عن قيادة الرولة ضد أعدائهم الخارجين , وكان نوري أباً لعائلة كبيرة , وكان في الحقيقة ينسب إليه 82 ولداً 37 منهم ذكور . وقد مات معظمهم تقريباً ميتة غير طبيعية .

وبعد هذا اللقاء الأول بنوري العشلان ببضعة أيام قمت بزيارة لنواف الذي نصب خيامه على مسافة مسيرة يوم كامل قرب بحيرات الركبان المطرية , على مسافة مئة وعشرين ميلاً إلى الشرق من دمشق .

كان نواف يختلف كل الاختلاف عن والده . فقد كان يفتقر إلى شخصية الشيخ العجوز القوية . كما لم تكن لديه الموهبة ليعدّ للحرب قبيلة كبيرة كالرولة يملك سبعة آلاف خيمة وخمسة وثلاثين ألف نسمة , وأكثر من ثلاثمئة ألف جمل .

لقد جمع للتّو مجموعة صغيرة أخرى لتدعيم قواته العاملة ضد الجوف ; وهي الواحة الواقعة على الطرف الجنوبي الشرقي من انهدام وادي السرحان العريض الخصب . وكانت قواته قد استولت على بعض المراكز الأمامية الأقل تحصناً . ولكن هذه النجاحات لم تجلب لنوّاف إلا القليل من رصيد نواف : فلم يستطع كسب احترام رجال قبيلته ولا احترام المستوطنين الخاضعين له لكي يدعّم مركزه . وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا الهجوم على الجوف كان عكساً للسياسة القبلية . فمنذ القديم تاجر الرولة مع تلك الواحة وقايضوا بجمالهم وصوفهم وأجبانهم وزبدتهم مقابل التمور والشعير والملح والقهوة وتجهيزات الخيام وشداد الجمال والأقمشة . وفجأة - وبعكس نوايا الشيخ العجوز - رسم نواف خطة لاحتكار هذه التجارة لنفسه واحتلال الواحة لكونها معقلاً أستراتيجياً يسيطر منه على شمال الجزيرة العربية وطرق القوافل إلى نجد .

وعلى مرأى من الجوف تبدو صحراء النفوذ العظيمة التي تمتد أكثر من ثلاثمئة ميل الشرق إلى الغرب , ونحو مئتي ميل من الشمال إلى الجنوب .
فنصفها الشمال المسمى اللاّبة يشكل المراعي الحقيقة للرولة . كما أن موطنها الحقيقي هناك والجزء الجنوبي تحت سلطة بدو الشمّر الذين جعلوا من حايل في الطرف الجنوبي من النفوذ مركزاً لتجارتهم .

وقد بقي الشمّر تحت حكم أبن الرشيد حتى بعد الحرب , وهو حاكم مرتد من عائلة أبن سعود ثار مع حراسه الزنوج ضد أسيادة واستولى على حايل .
ولكن أبن سعود نجح في استرداد هذا الموقع الهام الذي أمّن له السلطة المطلقة في وسط الجزيرة ( نجد والقصيم والحجاز ) .

والجميع يعرف جهود أبن سعود لدمج كل القبائل في وحدة وطنية وإخضاعه - في الحملة تلو الحملة - جميع الشيوخ الذين قاوموه .
والآن أثناء إقامتي الأولى في أرض البدو كان أبن الرشيد - هذا الحاكم المنشق - لايزال يسيطر على القسم الأعظم من داخل الجزيرة العربية . وقد أصبح السيد المطلق ; مما جعل أسياده السابقين - عائلة أبن سعود يعيشون في المنفى لعدة عقود من السنين ; بينما تمتع هذا « الأمير الأسود » بالسيادة على المدن والواحات والكثير من القبائل البدوية في وسط الجزيرة .

في تاريخ الجزيرة ليس هناك سوى القليل من الإنجازات التي تفوق في جسارتها أسترداد أبن سعود - مع حفنه من رجاله - لعاصمته الرياض وإخضاعه لحايل وشمّر , حتى أصبح بعد سلسلة من النجاحات حاكم الجزيرة الفعلي الذي يتطلع إِليه العالم اليوم بالإعجاب العميق .

وفي هذه الفترة التي أتحدث عنها - 1912 - كان نواف بن نوري الشعلان في حرب ضد أعداء الرولة التقليديين وهم بدو الشمّر , وحاكمهم أبن الرشيد الذي يسيطر على الجوف . وكان الأستيلاء على هذه الواحة هدف هذا القتال الطويل المرير , إذ أهدر الكثير من الدماء وحصل كل عام على نصيبه من حياة الرجال . والآن أقترب نواف كثيراً من هدفه وسرعان ما سقطت الجوف بين يديه .

كان لنواف ثلاثة أبناء منهم الأمير الشاب فواز الذي سأبدأ قصتي معه . إنني مدين لهذا الغلام بفضل حياتي مع الرولة كواحد منهم , والسماح لي بزيارتهم إحدى عشرة مرة خلال أثنتين وعشرين سنة ومشاركتهم في الترحال والصيد والحرب . وعبوري المتكرر لمراعيهم عاماً بعد عام على ظهور الخيول أو الجمال , وقبولي في القبيلة كزعيم رولي , ومعرفتهم بي وحبهم لي كما عرفتهم وأحببتهم .

كان الأمير فواز في الثامنة من العمر . ومع ذلك فقد عرف عنه بأنه فارس بارع وصياد ماهر على الرغم من أن ساقيه كانتا قصيرتين للتشبث بجانبي الفرس , وكان ذراعاه ضعيفين لموازنة البندقية لفترة طويلة . أما القراءة والكتابة وهي ما يسميها العرب « العلوم الدنيوية » فلم تكن تهمه أبداً , فقد آثر ركوب الجمال أو الأشتراك في الصيد . وقد أخبرتني بكل أعتزاز والدته مشاعل . التي أصيبت بالعمى , أن بشائر الخير المستقبلية وضع نوري الشعلان للجام فرسه الحربية والخنجر الفضي في سرير الصبي . وهذا هو نفس الخنجر الذي قتل به نوري بالنزال الفردي أحد زعماء المنتفق الثانويين .

بعد ظهر أحد الأيام كان فواز الصغير ومجموعة من أصدقائه الصبية يتدربون بالمقاليع , وهي السلاح الذي قتل به داوود غولياث , كانوا يرمون الحجارة المسطحة بدقة مدهشة على الأوتاد الخشبية المعقوفة , التي يبلغ أرتفاعها قدماً واحداً من مسافة ثلاثين خطوة . وخرجت من خلف الخيمة دون أن يراني الصبية . وصادف أن حجراً أصاب الخدف بالقرب مني وأرتد من الصقيل فأصابني في جبهتي بين العينين , وقد أصبت بالذهول للحظة نتيجة للصدمة لانتيجة للضربه نفسها . وحسبت لأول وهلة أنني أصبت برصاصة .

وهرع إليّ فواز بفم فاغر ووجه خائف . ولاحظ الجرح في جبهتي وبضع قطرات من الدم على أصابعي التي ضغطت بها على جبهتي أثناء أرتباكي . وعندما أخذت الصبي بين ذراعي ورفعته ضاحكاً ليعلم أن القضية ليست بالخطيرة علتْ وجهه نظرة غاضبة كما لو أنه أهين . وتملّص من بين ذراعي ووقف أمامي ثم نزع كوفتيه وعقاله من رأسه تاركاً جدائله الست الجميلة تسقط على كتفيه وتصل حتى فخذيه . وصاح والدموع تنحدر من عينيه الجرئتين : « أنا دخيلك أنني أسلمك نفسي بوجه الله : أخبرني عن ثمن دمك ؟ » لم يبد في صوته أي ندم كما لم يعّبر عن أي رغبة في الغفران . كانت كلماته تحدياً واضحاً لأنه أعتقد أنني سخرت من عرضه . وأندفع قلبي نحو هذا المخلوق الصغير . لقد أحاط نفسه بجو من التحفظ والكبرياء , ومع ذلك كان من المستحيل أن أغضب منه . ألم تكن طريقته في التفكير تختلف كلياً عن طريقة الأوروبي ؟ وبدون قصد أثقل دم ضيف والده على ضميره ولم يفكر إلا في إراضائي قبل أن تنتشر أخبار هذه الحادثة . ولم يكن من المهم كمية الدم الذي أريق والذي كان في هذه الحادثة بضع قطرات , فالشيء المهم لديه هو القانون البدوي غير المكتوب الذي يضمن سلامة الغريب وحرمته ولو كان في خيمة بدوي وضيع . وثمن دم الضيف ضعف ثمن من يقتل في الحرب : خمسون جميلاً وأربعة خيول .

كان عليّ أن أبتسم عندما فكرت في الثمن المقدر لبضعة قطرات من دمي .
ولكنني خارجياً أعدت الوقار إلى وجهي وأستدعيت الأولاد الآخرين والرجال الذين تجمعوا حولي ليكونوا شهوداً . وقلت للأمير فواز : « لقد حدث ذلك حسب مشيئة الله . إنني لا أعرف أي ثمن آخر سوى صداقتك » .

وساد الذهول التام لحظة من الزمن . وحدّق نحوي بعينين واسعتين . ومن المرجح أن الأمير فواز لم يستطع أن يصدّق انني - الغريب - أستطيع أن أستشهد بعادة أجداده القديمة . وفجأة رمى المقلاع المشؤوم وتقدم نحوي بذراعين مفتوحين وضمهما حول عنقي بتأثير صبياني عندما أنحنيت نحوه . وبعاصفة من الحب البهيج ضممت الصبي إلى صدري وقبلته على الخدّين . وبإصبعه الصغيرة لمس برفق الخدش على جبهتي ودلك أربع قطرات من الدم على جبهته بين حاجبيه الأسودين وهذا هو المعروف بدوياً بنور الدم .

وبهذه الطريقة الغريبة الدرامية أصبحت - بمشيئة الله - أخ الأمير فواز بالدم . وبعد فترة قصيرة تعمدت صداقتنا بالنار . خرجت للغزو عصبة من الرولة ( قوامها مئتان وثمانية وستون محارباً بقيادة رشيد بن وفا ) إلى الحماد ومنطقة الوديان ضد بدو ( الشمر ) , وخرجت بصحبتهم , وسرنا أثنتي عشرة ساعة في اليوم الأول . وفي المعسكر في تلك الليلة كنا نتفحص معداتنا وقرب مائنا وماشابه ذلك . وكم كانت دهشتنا عندما أكتشفنا أن الأمير فوّازاً غارقاً في نومه ملفوفاً بخرج الجمل المصنوع من شعر الماعز . وهي أوعية ضخمة مصنوعة من جلود الماعز .

ولم تصدر عنه أية إشارة أو أي صوت خلال المسيرة الطويلة الشاقة تُعْلِمُنا أننا نحمل معنا متخفياً . وأراد قائدنا رشيد ( من مراف الرولة ) ان يعيد الصبي إلى المضارب في الصباح مع أحد ركاب الجميل , ولكن فواز توسل بجيدة لمست قلب قائد الغزوة فأرسل رسولاً إلى خيام مشاعل ليخبرها أن أبنها معنا .

واستمرت غزوتنا نحو شهرين . عندما عدنا _ بعد أن أرهقنا التعب وتكبدنا الخسائر الفادحة ولكن منتصرين _ أخذ الأمير فواز أربعة من جمال الغنائم الغبراء إلى المضارب وأناخها أما خيمة أمه العمياء . وتساءلت مشاعل التي لم تزل شابة عن الغريب الذي ينزل في ضيافتها فصاح أحد الرولة « يا خالتي إنه أمير عظيم يأتي ليشرفك أيتها الأبنة المباركة » . وسألت الأم : « أين ديرته لأرسل عبدنا العجوز حمد ليعلن أنه جارنا » فأجاب الرولي : « أسمه الصقر الصغير وديرته تمتد أمتداد البصر . إنه أبنك يا أم فواز » .

وفي تلك العزوة قطعت يد قائدنا رشيد اليمنى بالسيف فأغمى عليه من فقدان الدم , ولكن العبيد غمسوا الذراع المقطوع بالزين المغلي _ وهو علاج يائس , لكنه ناجح لأن رشيد أستعاد وعيه . ومنذ ذلك اليوم حمل رشيد ذراعه المقطوعة معه في سرج بعيره . وقد جفّت تماماً مثل المومياء .

عندما وصلنا بحر سيجال وهو القلعة التركية الأولى قرب الضمير , أرسل قائدها كتيبة من الفرسان إلى معسكرنا لأنه كان قد أخبر تلغرافياً بعملياتنا غير المشروعة في جوار الأراضي الزروعة في مابين النهرين . كانت القوة تبحث عن رشيد لكونه مسؤولاً عن ذلك . ولكن رشيد لم يستطع حمل ضميره على القبول بالزنزانة التركية . وضع ذراعة المقطوع الجاف في حقيبة جلدية وأملى على كاتب فواز الرسالة التالية إلى القائد التركي الصغير في الضمير : « بسم الله الرحمن الرحيم . لا أستطيع أن أخدم سلطان كعسكري لأن لي جدعة ذراع . كما لا أستطيع أن أعمل في خدمتك كسجين , ولا أستطيع أن أنشد على يدك كصديق . فيماذا أفيدك ؟ ولكني أرسل لك ذراعي كرمز لأستسلامي النهائي لأنه معتاد على قطع يد السارق . وتأكد أنها ذراعي - ذراع رشيد بن وفا قاطع الطريق . وليرحمنا الله » .



***



الرجاء حفظ حقوق النشر



اخوكم / طارق الرويلي


 
التعديل الأخير تم بواسطة RWLH ; 09-25-2006 الساعة 05:36 PM

رد مع اقتباس
 
1 2 3 4 5 6 7 9 10 11 13 14 15 16 17 18 19 20 22 24 25 27 29 30 31 34 42 44 47 48 49 66 82 92 94 95 97 98 99 100 101 104 106 107 108 109 111 112 113 115 121 122 123 137 140 141 144 147 148 152 153 154 156 162 164 165 166 167 168 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180