الفصل الأول ( الأمير فواز أمير الرولة الشاب ) الأمير فواز أمير الرولة الشاب
لوّنت الشمس المشرفة على المغيب بألوانها الرقيقة روابي جبل رواك العارية . في الجنوب الغربي غطّت الخيام السود وقطعان الجمال الغبراء سهل طرف بعد حصاده القريب . وهرول نحونا الرجال المسلحون على ظهور خيولهم الرشيقة عندما اقتربت بصحبة عدة فرسان - ولأول مرة في حياتي - من « المنازل » المنسوجة من شعر الماعز , من مضارب بدو الرولة .
هؤلاء الحراس الفرسان الذين أتوا لملاقاتنا قادونا إلى خيمة عبد عجوز صبغها الدخان . وهنا أستقبلني الأمير نوري الشعلان أمير القبيلة ذو اللحية الرمادية .
وقبل بدء الحرب العظمى الأولى بعامين أستبدل الأمير نوري بخيمته المريحه مخبأً وضيعاً لأحد عبيده , وأختبأ فيه بعد أن أخطر بنشاط المطالبين بالثأر منه وهم رجال من أهله .
فأثناء الصراع على مشيخة القبيلة صرع أحد أخوته بيديه كما قتل عبيده أخاً آخر . وهكذا فإن أبناء القتيلين الذين بلغوا سّن الرشد لم يكونوا فقط يحاولون الثأر لهمها بل أنتزاع المشيخة من نوري الشعلان .
وبينما كان نوري يتهرب من أعدائه في القبيلة كان أبنه الأكبر نواف مسؤولاً عن قيادة الرولة ضد أعدائهم الخارجين , وكان نوري أباً لعائلة كبيرة , وكان في الحقيقة ينسب إليه 82 ولداً 37 منهم ذكور . وقد مات معظمهم تقريباً ميتة غير طبيعية .
وبعد هذا اللقاء الأول بنوري العشلان ببضعة أيام قمت بزيارة لنواف الذي نصب خيامه على مسافة مسيرة يوم كامل قرب بحيرات الركبان المطرية , على مسافة مئة وعشرين ميلاً إلى الشرق من دمشق .
كان نواف يختلف كل الاختلاف عن والده . فقد كان يفتقر إلى شخصية الشيخ العجوز القوية . كما لم تكن لديه الموهبة ليعدّ للحرب قبيلة كبيرة كالرولة يملك سبعة آلاف خيمة وخمسة وثلاثين ألف نسمة , وأكثر من ثلاثمئة ألف جمل .
لقد جمع للتّو مجموعة صغيرة أخرى لتدعيم قواته العاملة ضد الجوف ; وهي الواحة الواقعة على الطرف الجنوبي الشرقي من انهدام وادي السرحان العريض الخصب . وكانت قواته قد استولت على بعض المراكز الأمامية الأقل تحصناً . ولكن هذه النجاحات لم تجلب لنوّاف إلا القليل من رصيد نواف : فلم يستطع كسب احترام رجال قبيلته ولا احترام المستوطنين الخاضعين له لكي يدعّم مركزه . وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا الهجوم على الجوف كان عكساً للسياسة القبلية . فمنذ القديم تاجر الرولة مع تلك الواحة وقايضوا بجمالهم وصوفهم وأجبانهم وزبدتهم مقابل التمور والشعير والملح والقهوة وتجهيزات الخيام وشداد الجمال والأقمشة . وفجأة - وبعكس نوايا الشيخ العجوز - رسم نواف خطة لاحتكار هذه التجارة لنفسه واحتلال الواحة لكونها معقلاً أستراتيجياً يسيطر منه على شمال الجزيرة العربية وطرق القوافل إلى نجد .
وعلى مرأى من الجوف تبدو صحراء النفوذ العظيمة التي تمتد أكثر من ثلاثمئة ميل الشرق إلى الغرب , ونحو مئتي ميل من الشمال إلى الجنوب .
فنصفها الشمال المسمى اللاّبة يشكل المراعي الحقيقة للرولة . كما أن موطنها الحقيقي هناك والجزء الجنوبي تحت سلطة بدو الشمّر الذين جعلوا من حايل في الطرف الجنوبي من النفوذ مركزاً لتجارتهم .
وقد بقي الشمّر تحت حكم أبن الرشيد حتى بعد الحرب , وهو حاكم مرتد من عائلة أبن سعود ثار مع حراسه الزنوج ضد أسيادة واستولى على حايل .
ولكن أبن سعود نجح في استرداد هذا الموقع الهام الذي أمّن له السلطة المطلقة في وسط الجزيرة ( نجد والقصيم والحجاز ) .
والجميع يعرف جهود أبن سعود لدمج كل القبائل في وحدة وطنية وإخضاعه - في الحملة تلو الحملة - جميع الشيوخ الذين قاوموه .
والآن أثناء إقامتي الأولى في أرض البدو كان أبن الرشيد - هذا الحاكم المنشق - لايزال يسيطر على القسم الأعظم من داخل الجزيرة العربية . وقد أصبح السيد المطلق ; مما جعل أسياده السابقين - عائلة أبن سعود يعيشون في المنفى لعدة عقود من السنين ; بينما تمتع هذا « الأمير الأسود » بالسيادة على المدن والواحات والكثير من القبائل البدوية في وسط الجزيرة .
في تاريخ الجزيرة ليس هناك سوى القليل من الإنجازات التي تفوق في جسارتها أسترداد أبن سعود - مع حفنه من رجاله - لعاصمته الرياض وإخضاعه لحايل وشمّر , حتى أصبح بعد سلسلة من النجاحات حاكم الجزيرة الفعلي الذي يتطلع إِليه العالم اليوم بالإعجاب العميق .
وفي هذه الفترة التي أتحدث عنها - 1912 - كان نواف بن نوري الشعلان في حرب ضد أعداء الرولة التقليديين وهم بدو الشمّر , وحاكمهم أبن الرشيد الذي يسيطر على الجوف . وكان الأستيلاء على هذه الواحة هدف هذا القتال الطويل المرير , إذ أهدر الكثير من الدماء وحصل كل عام على نصيبه من حياة الرجال . والآن أقترب نواف كثيراً من هدفه وسرعان ما سقطت الجوف بين يديه .
كان لنواف ثلاثة أبناء منهم الأمير الشاب فواز الذي سأبدأ قصتي معه . إنني مدين لهذا الغلام بفضل حياتي مع الرولة كواحد منهم , والسماح لي بزيارتهم إحدى عشرة مرة خلال أثنتين وعشرين سنة ومشاركتهم في الترحال والصيد والحرب . وعبوري المتكرر لمراعيهم عاماً بعد عام على ظهور الخيول أو الجمال , وقبولي في القبيلة كزعيم رولي , ومعرفتهم بي وحبهم لي كما عرفتهم وأحببتهم .
كان الأمير فواز في الثامنة من العمر . ومع ذلك فقد عرف عنه بأنه فارس بارع وصياد ماهر على الرغم من أن ساقيه كانتا قصيرتين للتشبث بجانبي الفرس , وكان ذراعاه ضعيفين لموازنة البندقية لفترة طويلة . أما القراءة والكتابة وهي ما يسميها العرب « العلوم الدنيوية » فلم تكن تهمه أبداً , فقد آثر ركوب الجمال أو الأشتراك في الصيد . وقد أخبرتني بكل أعتزاز والدته مشاعل . التي أصيبت بالعمى , أن بشائر الخير المستقبلية وضع نوري الشعلان للجام فرسه الحربية والخنجر الفضي في سرير الصبي . وهذا هو نفس الخنجر الذي قتل به نوري بالنزال الفردي أحد زعماء المنتفق الثانويين .
بعد ظهر أحد الأيام كان فواز الصغير ومجموعة من أصدقائه الصبية يتدربون بالمقاليع , وهي السلاح الذي قتل به داوود غولياث , كانوا يرمون الحجارة المسطحة بدقة مدهشة على الأوتاد الخشبية المعقوفة , التي يبلغ أرتفاعها قدماً واحداً من مسافة ثلاثين خطوة . وخرجت من خلف الخيمة دون أن يراني الصبية . وصادف أن حجراً أصاب الخدف بالقرب مني وأرتد من الصقيل فأصابني في جبهتي بين العينين , وقد أصبت بالذهول للحظة نتيجة للصدمة لانتيجة للضربه نفسها . وحسبت لأول وهلة أنني أصبت برصاصة .
وهرع إليّ فواز بفم فاغر ووجه خائف . ولاحظ الجرح في جبهتي وبضع قطرات من الدم على أصابعي التي ضغطت بها على جبهتي أثناء أرتباكي . وعندما أخذت الصبي بين ذراعي ورفعته ضاحكاً ليعلم أن القضية ليست بالخطيرة علتْ وجهه نظرة غاضبة كما لو أنه أهين . وتملّص من بين ذراعي ووقف أمامي ثم نزع كوفتيه وعقاله من رأسه تاركاً جدائله الست الجميلة تسقط على كتفيه وتصل حتى فخذيه . وصاح والدموع تنحدر من عينيه الجرئتين : « أنا دخيلك أنني أسلمك نفسي بوجه الله : أخبرني عن ثمن دمك ؟ » لم يبد في صوته أي ندم كما لم يعّبر عن أي رغبة في الغفران . كانت كلماته تحدياً واضحاً لأنه أعتقد أنني سخرت من عرضه . وأندفع قلبي نحو هذا المخلوق الصغير . لقد أحاط نفسه بجو من التحفظ والكبرياء , ومع ذلك كان من المستحيل أن أغضب منه . ألم تكن طريقته في التفكير تختلف كلياً عن طريقة الأوروبي ؟ وبدون قصد أثقل دم ضيف والده على ضميره ولم يفكر إلا في إراضائي قبل أن تنتشر أخبار هذه الحادثة . ولم يكن من المهم كمية الدم الذي أريق والذي كان في هذه الحادثة بضع قطرات , فالشيء المهم لديه هو القانون البدوي غير المكتوب الذي يضمن سلامة الغريب وحرمته ولو كان في خيمة بدوي وضيع . وثمن دم الضيف ضعف ثمن من يقتل في الحرب : خمسون جميلاً وأربعة خيول .
كان عليّ أن أبتسم عندما فكرت في الثمن المقدر لبضعة قطرات من دمي .
ولكنني خارجياً أعدت الوقار إلى وجهي وأستدعيت الأولاد الآخرين والرجال الذين تجمعوا حولي ليكونوا شهوداً . وقلت للأمير فواز : « لقد حدث ذلك حسب مشيئة الله . إنني لا أعرف أي ثمن آخر سوى صداقتك » .
وساد الذهول التام لحظة من الزمن . وحدّق نحوي بعينين واسعتين . ومن المرجح أن الأمير فواز لم يستطع أن يصدّق انني - الغريب - أستطيع أن أستشهد بعادة أجداده القديمة . وفجأة رمى المقلاع المشؤوم وتقدم نحوي بذراعين مفتوحين وضمهما حول عنقي بتأثير صبياني عندما أنحنيت نحوه . وبعاصفة من الحب البهيج ضممت الصبي إلى صدري وقبلته على الخدّين . وبإصبعه الصغيرة لمس برفق الخدش على جبهتي ودلك أربع قطرات من الدم على جبهته بين حاجبيه الأسودين وهذا هو المعروف بدوياً بنور الدم .
وبهذه الطريقة الغريبة الدرامية أصبحت - بمشيئة الله - أخ الأمير فواز بالدم . وبعد فترة قصيرة تعمدت صداقتنا بالنار . خرجت للغزو عصبة من الرولة ( قوامها مئتان وثمانية وستون محارباً بقيادة رشيد بن وفا ) إلى الحماد ومنطقة الوديان ضد بدو ( الشمر ) , وخرجت بصحبتهم , وسرنا أثنتي عشرة ساعة في اليوم الأول . وفي المعسكر في تلك الليلة كنا نتفحص معداتنا وقرب مائنا وماشابه ذلك . وكم كانت دهشتنا عندما أكتشفنا أن الأمير فوّازاً غارقاً في نومه ملفوفاً بخرج الجمل المصنوع من شعر الماعز . وهي أوعية ضخمة مصنوعة من جلود الماعز .
ولم تصدر عنه أية إشارة أو أي صوت خلال المسيرة الطويلة الشاقة تُعْلِمُنا أننا نحمل معنا متخفياً . وأراد قائدنا رشيد ( من مراف الرولة ) ان يعيد الصبي إلى المضارب في الصباح مع أحد ركاب الجميل , ولكن فواز توسل بجيدة لمست قلب قائد الغزوة فأرسل رسولاً إلى خيام مشاعل ليخبرها أن أبنها معنا .
واستمرت غزوتنا نحو شهرين . عندما عدنا _ بعد أن أرهقنا التعب وتكبدنا الخسائر الفادحة ولكن منتصرين _ أخذ الأمير فواز أربعة من جمال الغنائم الغبراء إلى المضارب وأناخها أما خيمة أمه العمياء . وتساءلت مشاعل التي لم تزل شابة عن الغريب الذي ينزل في ضيافتها فصاح أحد الرولة « يا خالتي إنه أمير عظيم يأتي ليشرفك أيتها الأبنة المباركة » . وسألت الأم : « أين ديرته لأرسل عبدنا العجوز حمد ليعلن أنه جارنا » فأجاب الرولي : « أسمه الصقر الصغير وديرته تمتد أمتداد البصر . إنه أبنك يا أم فواز » .
وفي تلك العزوة قطعت يد قائدنا رشيد اليمنى بالسيف فأغمى عليه من فقدان الدم , ولكن العبيد غمسوا الذراع المقطوع بالزين المغلي _ وهو علاج يائس , لكنه ناجح لأن رشيد أستعاد وعيه . ومنذ ذلك اليوم حمل رشيد ذراعه المقطوعة معه في سرج بعيره . وقد جفّت تماماً مثل المومياء .
عندما وصلنا بحر سيجال وهو القلعة التركية الأولى قرب الضمير , أرسل قائدها كتيبة من الفرسان إلى معسكرنا لأنه كان قد أخبر تلغرافياً بعملياتنا غير المشروعة في جوار الأراضي الزروعة في مابين النهرين . كانت القوة تبحث عن رشيد لكونه مسؤولاً عن ذلك . ولكن رشيد لم يستطع حمل ضميره على القبول بالزنزانة التركية . وضع ذراعة المقطوع الجاف في حقيبة جلدية وأملى على كاتب فواز الرسالة التالية إلى القائد التركي الصغير في الضمير : « بسم الله الرحمن الرحيم . لا أستطيع أن أخدم سلطان كعسكري لأن لي جدعة ذراع . كما لا أستطيع أن أعمل في خدمتك كسجين , ولا أستطيع أن أنشد على يدك كصديق . فيماذا أفيدك ؟ ولكني أرسل لك ذراعي كرمز لأستسلامي النهائي لأنه معتاد على قطع يد السارق . وتأكد أنها ذراعي - ذراع رشيد بن وفا قاطع الطريق . وليرحمنا الله » . *** الرجاء حفظ حقوق النشر
اخوكم / طارق الرويلي |